تراجع هذه التدوينة أعمال قمة “إعادة مركزية القرآن الكريم: من التلاوة إلى التحول”، ضمن برنامج مركز الاستهداء العالمي والتي استقطبتْ جلساتُها بشكلٍ رئيسٍ مجموعةً من أئمة بريطانيا وبعض علماء القرآن الكريم وإعلاميي وسائل التواصل، للحديث عن آليات فهم وتطبيق “رسائل القرآن الكريم” في الممارسات الفردية والمؤسسية، وما إذا كانت الممارسات الحالية تتوافق مع الرسائل الجوهرية للقرآن الكريم ومع التغيير الذي يعد به في الحياة.

للكرام ممن لم يحضر؛ لم أجد قناة محددة تشارك أعمال الجلسات كاملة، لكن الاطلاع على بعض تسجيلات الفعالية مباشرةً من خلال مقاطع الفيديو والملخصات القصيرة للمقدمين ممكن كما فهمت، ومعظمها على يوتيوب وإنستغرام.

ما الذي يدفع مفكراً حراً إلى حضور قمة قرآنية؟

“عندما يُدمَّر نظامٌ نتبعه الحياةَ التي نحبها، أفلا يكون الوقت مناسبًا لنظام مختلف؟”

ذا سيرفيسبيري، روبن كيمرير

في ظلّ تسارع التصدّعات الجيوسياسية، وتضخم السرديات المستقطبة من مختلف المرجعيات، وتآكل مرونة الفرد النفسية مع ضغوط التقنية والاقتصادية، لم تعد إعادة النظر في أطر نظم الحياة والتي تفسّر المجتمعاتُ من خلالها واقعَها خيارًا أو ترفاً فلسفياً محضاً، بل غدت شرطاً هاماً لتشكيل استجابات متماسكة للأزمات المعاصرة، ولا يكاد التاريخ يحمل لحظة فارقة تحتاج هذه المراجعة كاللحظة الراهنة.

وعلى الرغم أن المعتاد من أهل العلوم الإنسانية والاجتماعية والاستراتيجية وأنا منهم أن ينحوا باتجاه الأطر العلمية المنهجية المحايدة لدراسة أنظمة السياسة والمجتمع والنفس، إلا أنه من المفيد جدا لمثل هؤلاء دون سواهم حضور قمة كهذه. ويكمن الجواب على سؤال: لماذا؟ في الفراغ الذي ينشأ عندما تعجز الرؤى العالمية العلمانية السائدة عن تقديم توجهات متماسكة وعن إنقاذنا جميعاً بنظريات علمية رصينة. قمة كهذه حينها تتجاوز كونها مجرد اجتماع ديني الطابع أو محدود الطقوس؛ بل تبرز كمساحة هامة تُختبر فيها أطر بديلة للمعنى وللسلطة في مواجهة الهياكل السائدة والآيلة إلى التهالك.

وقد تمّ الترويج للحدث كتجربة تحولية تستكشف الأطر المركزية للقرآن الكريم، ليس فقط لإحياء الحياة الشخصية وبث المرونة النفسية فيها في مواجهة التحديات، وإنما أيضًا لإعادة التفكير في نماذج الحوكمة الناظمة لسائر المساحات العامة. لقد بحثتُ ومازلتُ ويبحث غيري فيما تُقدّمه مصادر المعرفة المختلفة إلى جانب المصادر العلمية المعتادة كحلولٍ لأزمات عصرنا، وقررتُ أن أُجرّب هذا المؤتمر على سبيل الاستهداء بغير المعتاد؛ على الرغم من عيشي منذ فترة لا بأس بطولها بحالة نأيٍ عن فضاءات الطقوس الإسلامية التقليدية مما يساعدني أكثر على المحافظة على توازني في التعامل مع نص القرآن بحيادية بالغة لا يشوبها تفسير النص بالممارسة المتناقضة، فبعد تجربة من التساؤل واللاأدرية في العقد الماضي ومذ عدت كمسلم جديد وجدتني أدين بدين غير هذا الممارس في بلاد العرب كتراث ثقافي لايزيح طغياناً ولا يشكل وعياً جمعياً كافياً لتشكيل كتلة حرجة للتغيير في الحياة العامة. إلا أن فضاء هذه القمة بدا مختلفًا في جوهره، إذ لم يكن التركيز في الإعلان على التقاليد والشعائر، بل على الاستهداء الفكري بالقرآن الكريم كنظامٍ دلاليٍّ مُتكيّفٍ بفاعلية مع السياقات المختلفة، وبشكل متعدد الطبقات للأفهام المختلفة، لا كنص جامد، ولهذا فقد اجتذب الحدث أمثالي وبشدة.

وعليه وكمحاولةٍ لتوسيع آفاق التجارب الشخصية القرآنية المُحيِية، وتفعيل عدسات تأطير مختلفة لقضايا الحوكمة التي نتعامل معها حالياً من أطر غربية بحتة، اجتمعتُ وما يزيد عن 1000 مشارك نهاية الأسبوع الماضي في قمة القرآن الكريم في يومٍ من النور والتواصل، وشعرت صدقاً بمعنى تحفهم الملائكة كما لم أشعر بها منذ أكثر من عقد من الزمان.

“إنّ أضمن طريقةٍ لإصلاح نظامٍ حيوي هي ربط أجزائه ببعضها أكثر”

ويليام ماكدونو

موضوع المراجعة

يُسلّط المقال الضوء على ثلة من اللحظات الجوهرية العامة فقط والتي ولَّدتْ رؤىً يتجاوز تأثيرُ أبعادِها المستوى الخاص، بغرض الإفادة قدر المستطاع .

وقد اتجهت التوقعات بدايةً نحو ما اعتدنا عليه من الاستماع إلى أكاديميين إصلاحيين متخصصين في تفسير القرآن الكريم سواء من الأصوات التقليدية أو التجديدية البارزة، إلا أن المفاجأة الجميلة كانت أن معظم الخطابات الرئيسة قدمها ممارسون يطبقون عبادة التدبر في سياقات معاشَة، بدلاً من الاقتصار على تشعبات علوم القرآن والشريعة النظرية وشرح النصوص بالتفسير وأصوله، والتي يصعب على الإنسان غير الدارس لعلوم الشريعة الاتصال بالقرآن عبرها. وقد كان لهذا التحول عن التعلق بالهرمية العلمية إلى المعرفة العملية أثرٌ كبيرٌ في إعادة توجيه انتباه الحاضرين نحو جوهر الحدث، وقد ذكرني هذا بمقولة نستخدمها في دراسات وممارسات النظم المؤسسية: إذا إردت أن تحارب الفساد الذي يسببه وجود جدار ما، فعليك بتزويد الجموع بأدوات لتسلق الجدران، وقد نجح المؤتمر بهذا وواجه ما تسبب به بقاء التأويل حكراً قدسياً على المفسرين لقرون من مصائب ومنها ثلاث: الدعة والإهمال في تعامل الفرد العامي مع القرآن؛ يهذّه ولا يفهمه ويتسابق في حفظه ويغفل عن تطبيقه، وإلى تسلط أهل صنعة التفسير على العامة به تسلطاً فوقياً، وإلى سهولة اختراق العامة عبر التأويل بالهوى من قبل المفسدين.

وهكذا، ابتعد المؤتمر عن تقليدية المحتوى ونأى عن تقديم المزيد من الشروح على الشروح، واستكشف كيف يمكن للقرآن أن يعمل كأداة توجيه معرفية واستراتيجيّة تُشكّل السلوك الفردي وتؤثر في الهياكل الجماعية من خلال التدبر.

وجدتُ أن معظم من قدموا أوراقاً تناولوا التدبر بشكل رئيسٍ بإحدى طريقتين:

  • استخدم بعضهم أطرًا قرآنية لنقد بعض أيديولوجيات الحداثة وما بعد الحداثة، كاشفين عن بعض الآثار المدمرة لها على جوانب الحياة المعاصرة.
  • أكّد آخرون على أدوات لدمقرطة الوصول إلى القرآن الكريم، وتشجيع المشاركة الحضارية الأوسع من خارج الدوائر العلمية المتخصصة.

وكما لا يخفى على مسلم، يعزي كثير من الباحثين لتراجع النمط الثاني من تدبر القرآن (النقطة الثانية أعلاه) ليس فقط الانفصال الحادث بين تعاليم القرآن الكريم وركود الحياة الإسلامية بالمجمل، بل أيضا فداحة التناقضات الكبرى بين نماذج الحوكمة العامة والتوجيهات القرآنية على نطاق واسع.

لقد ساهم غياب عبادة التدبر بشكل كبير في اغتراب الفرد عن معاني الحياة الطيبة، وبشكل أكبر في شلل المؤسسات العامة عن خدمة الناس بالقسط والتراحم.

أمان عيد

هناك ملاحظتان جديرتان بالإشارة متعلقتان بهذا الأمر

أولاً، تمنيت رؤية أشخاص مثل الشيخ نعمان علي خان بين المتحدثين؛ كونه من الباحثين القلائل الذين ساهموا في تفعيل لغة قرآنية واقعية مشتركة وسهلة الفهم على مدار العقد الماضي متغلبين في ذلك على غموض التفسيرات الكلاسيكية، ويمكن القول إن عمله من خلال معهد بينة قد ساهم في إنزال القرآن إلى الواقع وتشكيل معرفة متعلقة بالقرآن الكريم في العالم الناطق باللغة الإنجليزية أكثر من معظم الباحثين الجامعيين.

ثانيًا، سرني فوق الوصف أن أشهد مثالًا عمليًا على تفعيل نموذج بسيط للتدبر وكيف كان له الفضل في تحويل القاعة إلى مختبر تأملي على الفور، ينبي هذا بمدى حرص الجمهور على التفاعل مع القرآن الكريم دون وسطاء عند توفر الأدوات لذلك، كان “نموذج مفاتيح التأمل الخمسة” والذي قدمه الشيخ الدكتور حماد فهيم منشئ منصة تدبر القرآن مع آخرين، دقيقًا في استخلاص التوجيهات من القرآن الكريم دون الخلط أو التعارض بين عبادة التدبر وبين التأويل المنهجي للمفسرين.


ما هو القرآن الكريم، على أية حال؟

نعم، ما هو القرآن الكريم فعلاً بعيدًا عن بداهة كونه كتاباً؟ وكيف يُشكّل ويؤثر في حياة الإنسان؟ ومن المستفيد الأكبر منه؟

هذه بعض الأسئلة التي طرحها الدكتور صهيب سعيد، مدير مبادرة ابن عاشور على الحضور، إلى جانب مشاركته لتصاميم بصرية إبداعية مستوحاة من توصيفات القرآن الكريم للقرآن ذاته.

كانت الجلسة خلابة في استحثاث الخيال، وكانت من أهم محرجاتها: أن يتعامل مع القرآن كروح، كحبل إنقاذ، كمؤنس، كمختبر للبحث، وشعرت أن أفق تطوير هذه الجلسة إلى تجربة بصرية غامرة تمامًا في المرات القادمة سيمكّن الجمهور من التفاعل مع المفاهيم والأنساق القرآنية من خلال تشكيلات فنية متنوعة.

أثار الدكتور نايف بن نهار، مدير مؤسسة وعي، أسئلة جوهرية حول كيفية تأثير القرآن الكريم على إدارة مجالات الحياة العامة كالجوانب المالية والتعليم وعلى حوكمتها. وقد شكل انقطاع كلمته الرئيسة نظراً لضيق الوقت مثالا لقيدٍ أوسع: غالبًا ما تُهمّش المساهمات الجوهرية لأسباب لوجستية، مما يعكس كيف يُحدد الوقت والقالب الذي تعمل من خلاله هذه الفعاليات – من حيث شئنا أم أبينا – الأفكار التي تُسمع في الحياة الفكرية المعاصرة وضرورة سرعتها واقتضابها، خلاف العلم النافع الذي يحتاج وقتا وجهدا وعمقا.

ورغم إجماعنا بأن إعادة مركزية القرآن كمشروع عظيم يدفع به الدكتور نايف بقوة يعد نقلة نوعية في زماننا إلا أنني أعتقد والله أعلم أن أثره على الغرب وعلى بقية العالم كان ليكون أمضى بسنين ضوئية وليفيد بأبعاد لاحد لها، لولا ما يلي:

  • يرتكز هذا المشروع بشكل رئيسي على التفسير الثقافي للظواهر الاجتماعية أكثر من ارتكازه على التفسير الفلسفي المعتمد على أدوات الفلسفة المنهجية، خاصة فيما يتعلق بتشرذم الهوية العربية الإسلامية، وهذا مهم إلا أنه بعيد أكاديميا عن البحوث المؤثرة المتعلقة بنقد الأزمات العالمية الناتجة عن الحداثة ومابعد الحداثة سواء كانت من مدخل دراسات الأخلاق أو من دراسات نقد المناهج الاستعمارية للبحث، وهذا للأسف يبقي مشروعه العظيم حبيس قالب الفكر المجتمعي المتوجه للعامة أكثر من كونه اتجاها منهجيا يؤسس لأدوات بحثية مركزية مرتكزة على القرآن.
  • يمكن للناقد رؤية عمل د. نايف كجزء من اتجاه شعبوي سائد خليجيًا في نقد الحداثة وما بعد الحداثة من منظور ثقافي عربي أو منظور قيمي قرآني؛ ورغم قيمته، غالبًا ما يكون هذا الخطاب غير متاح باللغة الإنجليزية، ولكنه حاضر بقوة باللغة العربية، ولو تم نقله عبر الترجمة فلا بد أن يمايز المشروع نفسه عن الموجات الثقافية الساخنة والمتداولة التي قد تؤذي دوره المعرفي الهام نظرا لانضوائها المقصود أو غير المقصود تحت مظلة ما، يراد ترويجها في فترة ما ولأسباب قد تكون موجهة أو لاتكون.
  • يقدم منهجه أسلوب المقارنة على سواه – الذي يقابل بين السرديات القرآنية والحداثية – ورغم عرضه لرؤى قيّمة، إلا أن المقارنة عادة ما تكون مقيدة لغويًا ومؤسسيًا للمعاني بمحدودية فضاء المقارنة، وحاكمية القرآن أوسع من هذا، كما يخاطر بالسماح بتفسيرها من قبل الدوائر العلمية بالتحيز إلى الجماعات المختلفة.

ركزت جلسات أخرى في المؤتمر على تشخيص إخفاقات نظم القيادة، واختلال أداء وسائل الإعلام والمؤثرين فيها، وقصور العمل الخدمي، والمخاطر المؤسسية – بما في ذلك تلك الموجودة داخل المؤسسات القرآنية – وقام المقدمون مشكورين بتحليل كل من المجالات السابقة لتحديد كيفية قصور النوايا الحسنة في ترجمة ذاتها إلى ممارسات فاعلة عندما تُهمّش القرآن أو تُحوّله إلى طقوس.

تناول كلٌّ من المهندس فاضل سليمان، والمهندس فداء الدين يحيى، والشيخ جمال عبد الناصر، والشيخ عبد الرحمن كاريا وغيرهم مجالاً مُحدداً من السابق، وقدّموا أمثلةً لإعادة النظر بجدية في مركزية القيم القرآنية في النوايا والغايات والرسالات الاستراتيجية والممارسات اليومية .


ما هي أهم ثلاثة دروس مستفادة؟

إثر سؤال بعض الحضور عن أكثر ما استثارت القمة فيهم من دروس، بالإضافة إلى تأملاتي فيما بقي في ذهني، برزت ثلاثة دروس هامة:

  1. الانغماس الفكري في عوالم القرآن السحرية

    يتطلب القرآن الكريم كي يستفاد منه انغماساً في عالمه ونموذجه، وليحدث تنشيطاً فكريًا مستداماً وعميقاً فلابد من علاقة مستمرة معه، لا عبر التلاوة فحسب، بل بطرح الأسئلة على القرآن باستمرار والتدبر فيما يجيب وكيف يرسم بأنساقه خرائط المعنى والقصص والقيم للمتدبر. فكل سورة تُمثل كيانًا حيًا ذا معنى؛ أو لنقل “شفرة مشعة” أو نظاماً ذا ناموس خاص يجب فك شفرته لدمجه في الحياة. وقد تجلى هذا المعنى بوضوح في عرض الدكتور مصطفى الشيباني لحالة سورة البقرة.
  1. البحث عن الذات في القرآن الكريم

    سواءً أكان المرء مسلمًا أم غير مسلم، لكي ينجح في مشروعه، أو في تنميته لذاته على أضيق نطاق، باستخدام القرآن الكريم؛ فعليه قراءته ولو مرة واحدة في حياته على الأقل بنيّة إيجاد نفسه فيه. وأن يتحرى الصدق في اسكتشاف الذات من خلال النص ليسمح له بإنارة بصيرته. وقد جسدت قصة الشيخ يحيى رابي هذا الأمر ببراعة.
  2. استحثات أو تثوير قواعده في المشهد العالمي واستشارة معاييره

    لقد أصبح التدبّر عبادةً منسيةً رغم مركزيتها في الحياة الخاصة، نعم، لكن هذا لم يتسبب فقط بتراجع الحياة الخاصة وإنما بتراجع كبير في الحياة العامة، أفرزت أزمات فكرية على نطاق عالمي يتجاوز المنطقة العربية المسلمة، فالخطاب الحضاري الذي يُغفل القرآن الكريم يعاني من “انقلاب على رأسه في القواعد وفي الأولويات”، يُمجّد التفاهة ويتجاهل الجوهر ويعود بمآلات كمآلات المدنية المعاصرة. وقد عبّرت كلمة الدكتور عبد الله العجيري عن هذه الأزمة الفكرية بوضوح.

قيد التنفيذ: آفاق لم نشتبك بعد معها

مع امتناني العميق للمنظمين، وللمتحدثين الذين لم تشملهم تأملاتي وليسامحوني على ذلك رغم أهمية ما قدموه، وللمتطوعين الملتزمين خالص التقدير للعمل الرائع والوقت والموارد المبذولة لتنظيم هذه القمة القوية في وقت قصير، إلا أن مراجعةً دون الإشارة إلى بعض الجوانب التي يمكن تحسينها ستكون مراجعة تسويقيةً أكثر منها نقدًا صادقًا. هذه أهم ثلاثة جوانب يمكن أن تُسهم بشكل كبير في فلاح الدورات القادمة من الحدث:

  1. توسيع نطاق التخاطر القرآني

    هناك حاجة ملحة لرسم خريطة مشاركة أكثر تنوعًا لتدبر الخطاب القرآني، وأكثر احتواءً لأصوات هجينة أخرى لفهم وجهات نظرها وتعدد رؤاها واحتضان احتياجاتها في المشهد، وذلك إما بإشراك شخصيات من مختلف التخصصات العلمية (مثل علماء الأعصاب، وعلماء الفلك، وعلماء البيانات والتقنيات الرقمية، العلوم الإنسانية بتفرعاتها)، والخلفيات الثقافية (ليست سنية فقط، ولا إسلامية فقط – أجل، أعني ذلك)، والشخصيات التي تنتمي لتقاليد النقد الفكري المختلفة (كفلاسفة ما وراء الحداثة، فلاسفة الأخلاق والسياسة ومنظري مناهج ما بعد الاستعمار، وباحثي دراسات النوع الاجتماعي وباحثي النظم المجتمعية) أو بتقديم أطروحاتها وتفنيدها على الأقل

    من الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن فورًا:
    • وائل حلاق، كناقد سياسي غير مسلم لكنه دارس لنموذج القرآن في الحكم.
    • مارسيل كراس، مسلم أوروبي من أصل غير مسلم، يقدم منظورًا متميزًا يختلف عن منظور أولئك الذين ورثوا الدين ثقافيًا.

لماذا يُعد هذا مهماً استراتيجياً؟

تُعيد وجهات النظر الهجينة تشكيل كيفية عمل القرآن الكريم في سياقات مختلفة، وكيفية معالجته للتحديات التي تواجهها. ستساعد العقل القرآني على فهم تحديات كل سياق ومنطلقات أهله، وتحاور كلاً من السابق من كلمة السواء ومن حيث هم، على سبيل المثال يختلف المجال العام الأوروبي – وخاصةً في ألمانيا حيث أعيش وفي فرنسا – اختلافاً كبيراً عن واقع العالم العربي أو عن تلك التحديات العامة التي يواجهها الناس حالياً في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة.

ولا يمكن العمل على إعادة مركزية رسالة القرآن وعالميتها من جديد إلا عبر نقاش قابليتها للتنفيذ عبر سياقات معاصرة متنوعة، وإشراك أطروحاتها بالخطاب، والتلاقح المتبادل معها، ويمكن لخيال المنظمين أن يسرح بالأثر الذي يمكن تحقيقه على سبيل المثال نقاش أطروحات حساسة على طاولة الحوار؛ (1) سواء كانت شيئا من تعقيدات تعريف الوهم والخرافة في العقل الغربي الذي يصنف الأديان كلها في عداد الخرافات، (2) إلى صعوبات الثقافة الأعرابية في ديناميكيات العلاقة بين شيخ الدين وشيخ القبيلة، (3) مرورا بمناقشة طقوس الشرق الأقصى وآلهته وطاقته عبر الأنساق القرآنية، ونقاش كل منهم فيما يخوضون فيه وفي أثره على الحياة الخاصة والعامة، يمكن أن ينتقل الحوار إلى مستوى آخر تماما حينها، فالتنوع الثقافي، والتخصصي ليس قضية جانبية؛ إنه جزء لا يتجزأ من بناء أطر مرنة وقابلة للتكيف ومتماسكة أخلاقياً.

من جهة أخرى، غابت وجهات النظر النسائية رغم أن حضورها كان ليضفي أنماطاً من الذكاء والمرونة الروحية مكاملة لأطروحات من قدموا من الرجال، وهذا لا يوفر فقط رؤى بديلة، بل يطور القدرة الجماعية على مقاومة الأعراف الاجتماعية المدمرة حاليا عبر إشراك المسؤول الأكبر عنها وهي المرأة. إن حضارتنا لا تزال تتعثر على قدم التوجهات الذكورية الأحادية لما يربو على قرنين من الزمان، بسبب تعطل المشاركة الفكرية للمرأة في تشكيل قوالب الحياة العامة، واختزال حضورها على أدوار سكرتارية طرفية داعمة، أو حصرها في الأدوار الخاصة والتي لاخلاف على أهميتها، مما تسبب في مشاكل لنا جميعاً بما فينا الذكور قبل غيرهم. هذا يحتاج إلى تغيير.

هذا ليست دعوة نسوية وليست كاتبة هذا المقال نسوية على أية حال، لكنني واحدة من مئات الآلاف من النساء الفاعلات المفكرات القائدات اللتين سئمن من الشرخ المصطنع بين الذكورة والأنوثة في المجتمع المسلم، ومن سائر مفرزاته المؤذية، كما أننا نتساءل لماذا نتغنى بفاطمة الفهرية فاتحة أول جامعة في العالم وبخديجة بنت خويلد شريكة في دار الندوة ومستثمرة عظيمة وبولادة بنت المستكفي شاعرة وصاحبة مجلس للأدب، بينما يعجزالواقع اليوم عن إفراز نماذج قرآنية حضارية لهذه المشاركة إلا ما رحم ربي؟

وأدعي كباحثة أعصاب وعاملة في التصاميم المجتمعية أن أي حركة ترحب بالمنتمين لفئات خارجة عنها لاتكون فقط حركة عالمية الأفق بل تنجح في زيادة الزخم الذي تخلقه وتجذبه وتؤثر فيه. وكلنا يعرف أن العصر العباسي شهد ازدهارا لم نشهده إلى يومنا هذا في الخطاب الحضاري الإسلامي وكان لتنوعه واحتوائه جزئيًا فضل كبير في هذا الازدهار، متفاعلًا ومؤثرًا في ازدهار الثقافات الأخرى التي تفاعلت معه وتذكر فضله إلى اليوم أو تحاول إخفاءه.

كلما زاد التنوع في الخطاب، انعكس ذلك غنىً في اللغة المستخدمة والمعبرة عن واقع الحاضرين المتغير بشكل أدق، وعن همومهم، وعن مشاريعهم، ستتوسع المفردات لتشمل عناصر من الحياة اليومية – بغض النظر عن المجال أو الثقافة – مغطيةً الفجوات الاستراتيجية والرقمية ومنشئةً نقاطًا مؤثرة تتجاوز المصطلحات الإسلامية التقليدية السائدة.

  1. مواءمة المنهجية مع المبادئ

    إن التسلسل الهرمي للتعلم والمتمحور حول وجود بطل أو معلم خارق، أو المتمثل بمتابعة نجم في وسائل التواصل، أو المصمم بشكل محاضرة أحادية الصوت من أعلى إلى أسفل ومن واحد إلى مجموعة ومن فئة مصلحة إلى جموع ضالة، يهدد بإعادة إنتاج أنماط التبعية والركود الفكري ذاتها التي سعى المؤتمر إلى مواجهتها، هناك حاجة إلى التوجه نحو أساليب القيادة الجماعية ونحو الأنماط التشاركية الشبكية للتعلم.

    ماذا يعني هذا؟
    في حين أننا لا نظن في المتحدثين الرئيسيين ولا المنظمين إلا كل الظن الحسن بدئاً من النوايا الحسنة للتحفيز وللإلهام وللتثقيف، وليس انتهاءً بنبذهم للزعموية أو أي سعي لها، إلا أن تبني أنماط تعليمية تعاونية ستسمح بطرح المشكلات من المشاركين من واقعهم، وستعزز الاستقلالية العلمية للفرد والتأمل الناقد والمحاكمة المستقلة، والتبادل المتواضع بينهم، لاسيما مع دعوة العلماء للجمهور إلى مركزة القرآن الكريم لا مركزة الأستذة، و إلى التأكيد على الشعور بالمساواة أمام الله، فلا بد أن يعكس الأسلوب التعليمي هذه الروح.

    في البيئات التشاركية لا يكتفي المشاركون بتلقي المعرفة الجاهزة المعلبة التي أعدها المحاضر مسبقا ليقدمها لهم، ولو كان في كلمته الكثير من الأسئلة الحاثة، بل يشاركون في إنتاج الأسئلة وفي العصف الذهني لها، ويختبرون الأفكار ويصقلونها بالحوار مع بعضهم وهذا الأسلوب من التفاعل، وإن كان متطلبا من المعلم أن يخلع قبعة المقدم للمعلومة ويلبس قبعة الميسر لعملية التعلم المتبادل عند المتلقيين غير مريح أحيانًا، إلا أنه يعكس إصرار القرآن الكريم على التأمل والاستدلال والتداول الأخلاقي وله أدوات وأساليب ويمكن لنا أن نطورها أكثر من مفاهيم القرآن.

    يُفصّل باولو فريري، في كتابه “مناهج المُستضعفين، كيف يتغذى الظلم على أنماط الاستبداد في العملية التعليمية التربوية أول ما يتغذى فيبرمج العقل على التبعية والتلقي، لا على التساؤل والاستنطاق للنصوص. فالمُستبد يحتاج إلى أتباع مُطيعين؛ والمُعلّم يحتاج إلى طلاب متبعين؛ والبطل الزعموي لن يكون له وجود إلا مع مُرؤوسين يرضون أوامره؛ وهكذا فالطغيان فلا ينمو ولا يزدهر إلا من خلال عبادة صورة الواحد الأوحد في أعلى الهرم.

    علينا كمستهدين بالقرآن أن نبتعد عن نماذج التعلم والتعليم الهرمية والنحو باتجاه الصيغ الجماعية لتأطير مساحات التعلم وللتفكير بالمشكلات ولتأطير سياسات إنتاج المعرفة. نعم، إن الطريق نحو التعلم المفتوح الذي يتدافع مع الطغيان طويل وممل، ومحفوف بالمخاطر أحيانًا، ولكنه ضروريٌّ للغاية.
  2. الجمع بين الرؤية والعمق

    وأخيرًا – والأهم من كل ما سبق- فإن القمة بصيغتها الحالية كانت خطوة أولى طال انتظارها، إلا أن دعوتها اتجهت أكثر نحو التحفيز والتنشيط: حركة يقودها أئمة ومعلمون من الرجال على وسائل التواصل الاجتماعي، يستخدمون أساليب تدريس شعبية لتفعيل عبادة التدبر وربطها بعبادة السير والتفكر مع جلسات أسئلة وأجوبة.

    ما نحتاجه الآن هو نموذج تواصل استراتيجي يجمع بين الرؤية والعمق، ويخلق حلقات تغذية راجعة تشبيكية مستمرة تتجاوز الفعاليات الموسمية.

    لكي يتجه العالم نحو حياة تتمحور حول القرآن الكريم ويطور فهمًا نظمياً مشتركاً متعمقًا للكتاب، من الضروري مد الجسور ليس فقط للباحثين الذين ينتجون أطرًا تأويلية أصلية ومساهمات أكاديمية – أولئك الذين يُستشهد بأعمالهم على نطاق واسع في الخطاب القرآني الإصلاحي أو التقليدي أو الكلاسيكي – ولكن أيضًا للعديد من القادة غير المرئيين، والمفكرين الرواد، والممارسين المحليين الذين قد لا يكون لديهم حضور على الإنترنت أو قاعدة جماهيرية كبيرة، لكنهم يقومون بعمل هادف على أرض الواقع.

    يجب دعوة هؤلاء الأفراد للمشاركة في تصميم الخطوات التالية، والمشاركة في تصاميم التعلم، والمشاركة في الإبداع، والمشاركة في تشكيل المستقبل. بدون ذلك، يُخاطر المشروع ببقائه محصورًا في ثوب مؤتمر يجمع الناس بشخصيات مؤثرة، بدلًا من أن يتطور إلى حركة حضارية فكرية متمركزة حول القرآن الكريم.

    نحن بحاجة ليس فقط إلى تحرير العقول والقلوب بل لدعوتها للتدبر والتشبيك بينها فيما تفعل ذلك، فالروح الناقدة الواعية التي لا يسهل استعمارها لن تتبع الاستبداد، لا في صورة مؤثر، ولا مُعلّم، ولا مُتحدث رئيسي، ولا في أشكالٍ أكثر دقة كهوى النفس، والتي يعاني من جلها العالم بأسره اليوم. بل ستنطلق تصبر نفسها مع غيرها مشكلة حركة حضارية لبها القرآن والذي هو بدوره في لبه دعوة للتحرر من النفس والآخر بشجاعة في سبيل خيرية النفس والآخر، وبهذا ينتقل الحدث من التحفيز الخطابي إلى حركة حضارية مرنة تتفاعل مع سياقاتها وتكبر ككرة الثلج في تشبيكات أثرها وأسأل الله أن تكون هذه التدوينة في عداد هذا النقد، لتكون عبادة التدبر تؤدي دورها مُخلَصةً لله الواحد الأحد.

نحو حركة حضارية تتمحور حول القرآن

في الختام، قدّمت القمة أملاً كبيراً كخطوة أولى هامة نحو إعادة النظر في مركزية القرآن الكريم في الحياة المعاصرة. وتُظهر نجاحاتها ما تُبشّر به هذه التجمعات من أمل ببناء منظومة حيوية وموزعة للتفاعل المستمر، بينما تُبرز محدوديتها الإصلاحات الهيكلية اللازمة لاستدامة هذا الوعد. ويمكن للمؤتمرات المستقبلية – المُثراة بمنظورات متعددة التخصصات، وصيغ تربوية جماعية، وشمولية استراتيجية – أن تُحوّل التفاعل القرآني من تأمل عَرَضي إلى مركزية فكرية وحضارية مستدامة. ومن خلال هذا الاهتمام الهيكلي فقط، يُمكن تحقيق الضرورات الأخلاقية والمعرفية والاجتماعية للقرآن الكريم بطرق تُناسب عمقه التاريخي وأهميته المعاصرة.