إن النتيجة الحتمية لإقرارنا بأن الإنسان كائن خطاء بفطرته هو إداركنا لدور العقل والتعقل في صناعة الوعي؛ وعي الفرد الخاص ومساهمته في صناعة الوعي العام أيضاً؛ الأمر الذي يشغل كثيرين في هذا الوقت الحرج. حرج الوقت الآتي من ناحتين: الحرج من ناحية تداعيات الرقمنة على الثقافة، والحرج من ناحية تداعيات الحرب على غزة والتي ورطت الجميع فاعلين ومنفعلين وصامتين. هذا الحرج يحتم علينا استدعاء شيء من أعمال حنه آرنت لنبني عليه في الحديث عن الثقافة والوعي، إذ كان العقل عزيزاً عليها، وربما محورياً في جل ما أنتجته.
وإن كانت حنه آرنت غنية عن التعريف لأهل الفكر من الألمان، فلمن لا يعرفها هي فيلسوفة ألمانية لم تكف عن التفكير في عصرها وأزماته، وفي الحداثة ومشكلاتها، وفي الاستبداد وعلاقته بأزمات السلطة وغزو الفضاء، وقبل كل هذا في أزمة الثقافة السائدة، إلى جانب أزمتها الشخصية كمثقفة من أصول يهودية محافظة في بيئة ألمانية لادينية طغت فيها النازية، كانت تشهد الشرخ بين بيئتها المحافِظة وبين الحياة الفكرية العامة التي لم ينقذ الفكرُ فيها الناسَ من الإبادة بعد ذلك، وعانت كما عانى غيرها من أزمة تهجير اليهود من أوروبا، وإن نجت هي من الإبادة، وساهمت شخصياً في حماية الكثيرين من شباب اليهود، ومن ثم تتبعت خيوط الشر في المجتمع الفكري الألماني الذي أحبت أن تنتمي إليه فلفظها بعيداً، وسنأتي على ذكر بعض هذه المشاهد تباعاً لأهميتها اليوم، ولهذا كله لم تكف حنة يوماً عن السعي لإلقاء الضوء على معنى ما كانت تعيشه وما كان يعيشه معاصروها.
لماذا حنه؟ ولماذا الآن؟
نشهد اليوم مقاربات عديدة مع سياق حنة آرنت؛ عن سياق العرب في أوربا خاصة أتحدث، ولهذا فمن الواجب فكراً وسعياً ألا تمر سيرة فكرها وسعيها مرور الكرام على كل عربي حر يشهد الاشتباك اليوم مع أطراف القوى وتصارعها وأذاها. يشهد هذا ويعايشه آلاف الشباب رغم لا تدينهم ورغم بعدهم عن المسارات المحافِظة، ورغم نأي ممارسات غالبهم عن الدين في حياتهم، وتعبيرهم عن حيادية مواقفهم، وعن خياراتهم الليبرالية، وربما أخص هنا أبناء إسلام السنة بالتوارث أكثر من غيرهم، إلا أن الإبادة الثقافية الممنهجة لما هو عربي وغير متطرف يكاد يكون سؤال الحاضر في أوروبا وفي ألمانيا اليوم فضلاً عن بقية أنحاء العالم.
ومن هذا السياق الذي قد يبدو بادئ ذي بدئ شاذاً ومغرِقاً في السخرية أقتبس من مفكرة يهودية نعم، لتشابه كفاحها مع كفاحاتنا في سياق يشبه سياقاتنا – لا رغبة بنبذ التراث كما يعنفنا أهله الكرام عادةً حين نستلهم من سواه -، وليتحملني القارئ الغاضب، فقد وجدتُ بعض الالتقاطات من سيرتها ضرورية، كان أولها علاقتي بكتابها في نقد نظام التعليم الذي اطلعت عليه قبل أكثر من عقد من الزمان وآخرها جلسة علمية في منبر اجتماعي مع السيدة الفاضلة آنيل مير في 2024، واستعراضها دور حنة آرنت في مواجهة أزمة الثقافة؛ وقد بدأت آنيل مير الجلسة بتذكيرنا بديباجة ميثاق اليونسكو لعام 1945، حيث تعلن حكومات الدول الأطراف نيابةً عن شعوبها، أن الحروب تبدأ في عقول البشر، ولذا، ففي عقول البشر يجب بناء حصون السلام.
وبهذا التذكير هز الجمع رؤوسهم أسىً على الشرخ الحادث بين بناء العقول وبين التعليم
و هزوا رؤوسهم رفضاُ للشرخ البيّن بين المعلن في مواثيق الدول وبين المعمول به على أرض الواقع
ونهز رؤوسنا في دهشة لراهنية المَشاهِد في الحياة العامة اليوم بينما تباد شعوب باسم السلام، وتستخدم ألفاظ كلفظة السلام فيما ليست تعنيه، وتُستَعمر الأكاديميا بمناهجَ لازالت تعزِّز هيمنة المركزية الغربية في العقول وبين الأمم
ويمكن لنا أيضاً أن نهز رؤوسنا حول غياب التعقل حتى عن مشاهد الثقافة الرقمية والمحلية بين العرب؛ مستغربين أو متمسكين بعروبتهم ،
بين العربي السلفي المسلم والعربي العثماني والعربي اليساري وما بينهم من أطياف وطبقات واستقطابات؛ وعن الشروخ بينهم.
نعود لحنه، هذه المرأة الثرية فكرياً والمعقدة ذات الجوانب المتعددة، المولودة عام 1906 في هاناو بألمانيا، حيث درست الفلسفة واللاهوت والعلوم السياسية، وهربت من النظام النازي عام 1933، واستقرت في فرنسا كلاجئة، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة بعد ثمان سنين. اشتهر عملها ذو الأهمية البالغة في تحليل النظم الشمولية “أصول الشمولية” والذي لا زال راهناً وإن استعرض حينها النازية والستالينية، وربما لتعبيره اليوم عن أشكال أخرى تنتشر بيننا، وإن أغضب هذا الكلام من لا يرى من العرب في الفاشية أو التعصب أو الحمية الجاهلية سوءاً ويراها ظاهرة لا بأس بها أو حقاً وجودياً طبيعيا لأبناء الطيف الواحد.
كيف يتدافع المثقف مع أزمات عصره الثقافية؟
غطت حنه حكاية عن آيخمان عام 1961 في القدس، وفي الحكاية مثال حي للتدافع مع الواقع، حيث إن آيخمان هذا كان موظفا ألمانياً عاديا جداً لكنه كان هو من وقّع على قرار تهجير اليهود من أوروبا إلى القدس، وقد أدى انتباه حنة لهذه التفصيلة الثانوية وبحثها فيها وتوثيقها لأبعادها الثقافية إلى إصدار كتابها المثير للجدل “أيخمان في القدس“، حيث طرحت فيه مفهومًا كان له تأثيرٌ هائلٌ آنذاك – وأعتقد أن علينا أن نعود لتأمله اليوم – وهو مفهوم: تفاهة الشر. تجرأت حنه على أن تخالف الثقافة السائدة التي تعتبر الشر شيطاناً مريداً بعيداً عن عامة الناس قابعاً في مكان ما أعلى الهرم، و مالت إلى اعتبار الشر أمراً متغلغلاً في سلوك الفرد العادي من الشعب الذي يمكن أن يقول بعد ذلك كما كان آيخمان يقول: فعلت فقط ما طلبوه مني وقمت بعملي إجرائياً بشكل جيد!
لماذا على المثقف ألا يكف عن إلقاء الضوء على المعاني التي يعايشها ويلاحظها في عصره؟
تذكرنا حنه، كما تذكرنا أيضا الحبيبة ابتهال أبو السعد في استقالتها المدوية من مايكروسوفت، والتي يعود أكثر من ثلث موظفيها لخلفيات يمكن أن تشكل ضغطا كافيا من الداخل لكنهم لا يفعلون، أن الشر غير مطلق أبداً، وأحد معاني هذا أن الفرد منا ليس إما شيطانا أو ملاكا، وليس إما فاهما أو جاهلا، إما كذا من الشر أو كذا من الخير، ليس مطلقا أبدا، ويكفيه شراً ألا يكون مطلقاً ليكون عامَّ الانتشار بيننا وصعب المقاومة يختبيء فيك وفيّ وفي كل فرد منه جزء صغير. وإذا ما اتضحت حقيقة أن الأفعال الفظيعة والهمجية الجسيمة يمكن أن يرتكبها أفراد عاديون جداً يجلسون قربك أو يسكنون بجوارك أو يعملون معك، أو أنت أحياناً من حيث نعي أو لانعي، سيتغير الخطاب تماماً وسيدعوك ويدعوني أن نعيد النظر في حيثيات نعرفها اليوم جيدا، ويدعوك ويدعوني ليس فقط لنمعن النظر في ممارسات الناس لمبدأي (منا_ومو منا) و ( إما_أو ) في يومياتهم، ولا أن نستهجن كيف تشيطن الناس بعضها وتتنمر على بعضها في المساحات الرقمية بأسماء وهمية بمجرد الاختلاف بالرأي، بل لننتبه أيضاً كيف يستخدم أفراد عاديون جداً مناصبهم المهنية في الإقصاء والأذى والتحييد والقمع لجل ما لا يشبههم، كيف تمنع الناس بعضها الخير والمصادر، وكيف وبذات الوقت تصمت الأغلبية عن الحق صمتات صغيرة متراكمة حتى يتراكم الشر من عدد مهول من الناس صمتاً مدوياً حتى لايعود من الممكن دفع الشر وأحيانا لا يعود ممكنا الاعتذار عن المساهمة فيه، ومع إعادة النظر في هذه الحيثيات وغيرها، كثيرا ما أعادتني فكرة حنه إلى فكرة القرآن الجوهرية حول أهمية مدافعة الشر القابع في داخل كل فرد في قوله تعالى: “فألهمها فجورها وتقواها“ وفي هذا إشارة إلى ضرورة ملاحظة المرء لنفسه في ميلها إلى فجورها إو إلى تقواها، وأن هذا لا عصمة فيه، ومع ملاحظة النفس الدعوة لاخيتار حياة المعنى والإصرار عليها، ثم ترابط هذا باسم السورة: الشمس والتي يتجلى فيها أيضا دور المثقف في بيئته، ثم إكمال هذا بالمشهد في الآية التي تليها مباشرة وحديثها عن ضلال قوم برمتهم بسبب رجل واحد سماه القرآن أشقاهم في صورة جلية لأثر استحكام الجانب الآخر!
ورغم أنها توفيت عام 1975 في نيويورك، إلا أن حنه تركت إرثًا فلسفيًا هائلًا، و لازالت بعض أعمالها إلى يومنا هذا تستخدم في المحكمة الجنائية الدولية حول تفاهة الشر والاستبداد. لذا، يعيدنا هذا للتأمل: أين تتموضع أعمال المفكرين و في أي الأفلاك تدور؟ أين الراهن منها الذي يعالج الواقع؟ وما الذي سيبقى من أعمالنا حين نرحل؟ أتحدث هنا عن التحليل للواقع وعن التنظير للمأمول أيضاً.
كيف يعترك المثقفون بالمساحات ومدى قربهم وبعدهم عن الناس وواقعهم وأزماتهم، ثم كيف يؤثرون بها بعد أن تؤثر بهم، وهل تنحت منه ما ينفع في بناء معرفة مستدامة تتجاوز جموع المصفقين وعدادات المشاهدات؟ نحن اليوم أحوج ما نكون لمن يُعمل النظر في الراهن ويستخرج منه أعمالاً خالدة للإرث الإنساني، لكن أين هذا؟
كيف تشجعت حنه على نقد راهنها الثقافي؟
1. رغم أن حنة آرنت تتلمذت على كبار أساتذة ذلك العصر في ألمانيا من رودولف بولتمان إلى إيلر في فرايبورغ، وآي دو جير، وكارل ياسبرز. وكانط، الذي لم تلتق به لكنها قرأته في الرابعة عشرة من عمرها، ثم كيركيجارد وغيرهم،
2. ورغم أنها طوال سنوات عملها حافظت على عادة العودة إلى كلاسيكيات التراث، أي أنها قبل التفكير بمفهوم جديد وابتكار مصطلح له، كانت تعود إلى النصوص القديمة، إلى ما قاله فلاسفة التراث واللاهوت قبلها، وهنا لفتة أخرى للمفكرين العرب في الغرب خاصة، من اليسار واليمين على السواء، لإعادة النظر بما ننتج وكيف ننتج، وإلى القطيعة الحادثة بين المسارات المجتهدة في ثقافتنا في الغرب وبين جذور ثقافتنا وإلى تحول المساحات الثقافية لغير أدوارها،
رغم كل ما سبق ستجد حنه نفسها تقتلع من الجذور إلى المنفى، وتواجه صدمة أخرى تتعلق بحلمها الكبير في ذلك الوقت بأن تكون مثقفة ألمانية بين مثقفين آخرين ألمان عظماء. هل الصدمة عامل إيجابي؟ على عكس ما ينظر له أهل المجال العصبي النفسي في القرنين الأخيرين عن آثار الصدمات، كانت الصدمة هذه عاملا حافزا لها، كيف؟
باقتلاعها من جذورها ونفيها أدركت حنه وندرك معها اليوم أن خضوع المثقف الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنسق المجتمعي الذي ينتمي إليه ويتبعه سيجعله سجيناً لهيمنة الثقافة السائدة (أو الآبائية). ستدرك حنه في هذه اللحظة الفارقة من حياتها أن الفكرانية السامدة سجينة التيار العام طريقها مسدود في الواقع، وأن الخضوع لسلطة الثقافة السائدة وإن كان طريقاً للتألق الآني السريع إلا أنه مكلف وأشد كلفته الصدق، وهو بذلك ليس طريق الحقيقة، ستدرك حنه وأدرك اليوم من واقعي المركب أن هؤلاء المفكرين الذين يستثمرون فكرة جميلة في ارتكاب ظلم اجتماعي من أي نوع أو في تبريره أو الصمت عنه، سيعلنون فشلهم الأخلاقي ويعلنون معه انخراطهم فيما سوى الحق لحظة الحقيقة وهذا بذاته يجرد المثقف من موضوعيته.
من الواضح أنه وبعد الحرب بين النازية والحلفاء سيتم نفي حنه وسيبعدها هذا عن أساتذتها بالمعنيين المكاني والفكري، ولكنها ستستخدم أفكار أستاذها السابق لتتمكن من تفكيكها ومن ثم تجاوزها، والمضي قدمًا فيما دافعت عنه في أطروحتها للدكتوراه حول مفهوم الحب عند سانت أوجستين. وهنا نرى جانبها المتنوع والمعقد معاً. لماذا سعت لدراسة مفهوم الحب لدى القديس أوغسطين؟ لقد تساءلت لتفهم كيف يُمكن عيش الأشكال الثلاثة العظيمة للحب عند القديس أوغسطين مع التحديات التي كانت تمر بها: حب الكون، وحب الجار والآخر، والحب الإلهي. وقد مكنها هذا العمل من تعلم أهمية الجمع بين التعقل وبين الحرية بمعناها المنعتق من السائد وبين الارتباط بإرث التاريخ الكوني. ويبدو لي أن هذا البعد الكوني لمسعاها الفلسفي أخرجها من خصوصية سياقها لإيجاد ما يربطها بعالم بناء المعرفة الواسع، وسيكوّن لاحقاً ثوابت وقواسم مشتركة يجعل أعمالها متفردة فكرياً.
كان حريق رايشستاغ نقطة تحول لألمانيا، ولحنه وأخواتها، وبدأت معه منذ ذلك الحين صدمتها من المثقفين قبل عامة الناس، ستخبر أصحابها أنها لم تعد قادرة على الوقوف مكتوفة الأيدي وتنخرط في المقاومة مسؤولة عن جمع أدلة على الدعاية المعادية حينها لليهود في الشركات، وفي مختلف البيئات المهنية. وتؤوي المنتمين للمقاومة في شقتها، وبما أن النظام النازي المستبد حينها لم يكن ليترك أحدا؛ ستعتقل إثر ذلك، وسيتم تحريرها بشكل استثنائي وستبقى شاعرة بالقلق بعد اعتقالها، ولذلك ستقرر الفرار من ألمانيا.
حين يتبدد حلم ما، يتجلى معنى جديد
نعم؛ كان حلمًا تبدد، هذا الانتماء لنخبة الفكر الألمانية – يشبه تبدد أحلام الكثيرين من العرب في أوروبا وأمريكا اليوم والذي تشهد عليه معاناتهم ونبشهم في دراسات إنهاء الاستعمار ومبادرات فنون النضال والبحث في قضايا الفساد الحوكمي وآليات تغييره نظميا في المؤسسات وغيرها من استقراء ما يمكن استقراؤه لتغيير الواقع والذي يزايد عليه من يحرر ويعتقد أنه وحده من يجب أن يقرر مقصياً كل من عانى سواه – ولكن في رماد حلمها بالانتماء إلى هذه النخبة الفكرية التي ترفضها الآن رفضًا قاطعًا، تأكد إيمانها بأن الفكر والفعل متجذران معاً لا ينفصلان، وأن الفلسفة يجب أن تتغلغل في أهم قضايا الحياة العامة الراهنة أو لاتكون، ولا يمكن أن تبقى عملية التنظير محصورة في الأكاديميا وفي ما لايوقظ نائما ولا يبني ثورات معرفية حقة، واللكزة هنا ليست فقط للباحثين في معاهد الجامعات والبحوث بل للعاملين أيضا في شركات التقنية الكبرى خاصة تلك التي تهيمن على المجتمعات هيمنة تفوق هيمنة الدول، لا سيما وأن تعداد من ينتمون لخلفيات هجينة يربو الثلث في أكبر عشر شركات تقنية اليوم، ممن يُسمَّون اليوم عمال المعرفة (knowledge workers). فيما بعد وخلال سنوات منفاها في فرنسا، ثم في الولايات المتحدة، ستلتقي حنه بالعديد من الفلاسفة والكتاب، منهم ريموند آرون، وجان بول سارتر، وبنيامين والتر، الذين استمرت في مراسلتهم، وغيرهم الكثير. ولكنها ستتساءل عم نتساءل عنه اليوم، عن الصداقة والعلاقات وأهميتها في لحظات الحرب والقمع، حيث تكرر مراراً منها: لم يكن أصعب شيء هو ما سيفعله أعداؤنا بنا! وإنما السؤال الأهم: “ماذا سيفعله أصدقاؤنا؟ هل سيظلون أصدقاءنا؟ ما الخيار الذي سيتخذونه؟ هل سيحموننا؟ هل سيبقون على اتصال بنا؟” كان هذا هو همها الأكبر:
ما سيفعله أصدقاؤنا حين نتصدى للتفكير وللعمل بصدق وحياد؟
وقد كان لزوجها دورٌ بالغ الأهمية في هذه الفترة، خاصةً عندما هوجمت بعد نشر كتاب “تفاهة الشر”. بل إنه أعاد إليها ثقتها بنفسها، وذكّرها بأنه من الطبيعي تمامًا على مر العصور أن يتعرض الفلاسفة للهجوم والرفض والتسفيه. بل إنه ذكّرها بأن الموافقة الجماعية ليست المعيار الذي يُحدد صحة العمل أو عدم صحته، بل إن النقد دليل على أن أعمالهم تناولت مواضيع جوهرية وهامة وحيوية بشغف، وأنه من الطبيعي أن يواجه الفيلسوف معارضة عندما يواجه أفكارًا متجذرة ويسعى بصدق إلى الحقيقة.
وإذا التفتنا إلى السعي دون الفكر، فمن المناطق المشرقة في سعي حنه آرنت أمرين ذكرهما غير مصدر:
الأمر الأول هو أن يضيء المفكر من الداخل حيث أنها حين كانت محتجزة في معسكر غورس في جبال البرانس الأطلسية، التي لم تكن بعيدة عن باريس قبل هجرتها، كانت من النساء اللواتي شجّعن الأخريات على التماسك وعدم الاستسلام، كانت تقول: مشّطوا شعركم، اغسلوا أنفسكم، ارتدوا ملابسكم، لنحافظ على كرامتنا مهما حدث، حتى لو لم نكن نعرف كيف ستسير الأمور. كانت تمتلك قوة إرادة لا تسمح لها باليأس، أعتقد أن للإيمان دور فيها، وكانت لديها قناعة بأن الوحدة قوة للتغلب على المحن والصعوبات.
والأمر الآخر هو الاستلهام المستمر من الإنتاج الثقافي الرصين ما يُتّكأ عليه ويُعتَد به، تمكنت هؤلاء النساء المحتجزات في مخيم غورس من المغادرة وقت الهدنة، حيث حدثت كارثة أخرى بانقطاع الاتصالات وضبابية المعلومات فما كان لدى مدير المعسكر أي فكرة كيف يتصرف، وكان رجلًا واعياً ففتح الأبواب ومكن النساء من الخروج، ولجأ عدد كبير منهن، ومنهن حنة آرنت، إلى مونتوان، وتقول إنها سارت لمسافات طويلة للوصول إلى مونتوان للحصول على معلومات وبرقيات ورسائل، بأحذية مهترئة، و ألم شديد في قدميها، وتلاوة في نفسها أثتاء هذه الرحلات الطويلة الشاقة لقصائد ريل كيو “أن أتمكن من المشي”. يذكرني هذا بمشاهد مشابهة كثيرة لا حصر لها، ويأسرني أبداً سؤال: على ماذا اتكأ أصحابها لحظة انسداد الفرص؟
هكذا تُخبرنا الحكايات عن قوة اليقين في إشعال فتيل المرء – بمعانِ تتجاوزه إلى اللانهائي-، وعن قوة البلاغة في المقاومة؛ داخليا وخارجياً، سياسياً وروحياً ومعرفياً. وحنه في هذا كانت عالية الحس تجاه الشعر والثقافة، تدرك معنى الكلمة، وقد مكّنها ذلك من تجاوز أوقات صعبة. تذكرنا مشاهد كهذه أن المثقف الحق لا يمكن أن يكون مثقف أروقة رخامية؛ غير مبالٍ بالواقع والسياق الحاضر.
وفيما يخص أزمة الثقافة، ستسأل حنه نفسها كما أسأل اليوم نفسي: كيف يمكن الخروج مما رأته مُلاحظًا في الولايات المتحدة، وفي المجتمعات الأوروبية أيضًا؟
كيف يمكننا الخروج من أزمة الثقافة، ومعها أزمة التعليم، وأزمة السلطوية، وظهور الأكاذيب في الحياة العامة وفي السياسة والتي تؤثر على كل ما سبق؟ أي تشابه مع الوضع الراهن، في كيف نفكر، كيف يفكر الناس معاً، وكيف نتغلب على هذه الأزمات، وقد أصبحت كل الإجابات التي توفرها لنا التيارات الفكرية المعهودة غير صالحة، أو ناقصة، أو ببساطة لم تعد مجدية؟ كان هذا التساؤل هو ما غذّاها و دفعها لكتابة “أزمة الثقافة” عام 1945.
ولكي نتمكن من الحديث عن أزمة الثقافة، فعلينا أولا أن نبدأ من تأطير ما نعنيه بالثقافة؟
كعادتها حنه تعود إلى المصادر، وتعود إلى الأصول، وتبحث عن أول من وضع مفهوم الثقافة، وتجد ضالتها عند الشعب الروماني، وتجدها مُشتقة من كلمة “كولتور” بالمعنى الزراعي للكلمة كمحضن للبذور للعناية، والمحافظة، والمثابرة. لذا، بالمعنى الزراعي، تُشير كلمة “ثقافة” إلى زراعة الطبيعة وصيانتها بهدف جعلها صالحة لسكنى البشر. ثم تذهب أبعد من هذا الجذر، قائلةً إن الثقافة تُشير إلى موقف رعاية قلقة، وبالتالي لا ينطبق هذا فقط على ثقافة النبات بل ينطبق أيضًا على عبادة الآلهة التي كانت مهمة لدى الرومان. وعليه فإن الاهتمام الذي نوليه للعلاقة مع الإله وقواه التي تتجاوزنا في الكون جزء من الثقافة، وتقتبس من الفيلسوف شيشرون وهو أول من تحدث عن فكرة الثقافة بمعنى رعاية الروح، أن تنمية الروح هي الهدف الأول للفلسفة والشغل الذي يجب أن يكون الشاغل لفلسفة الفيلسوف، ويتأكد لنا أن الثقافة والدين عند الرومان كان لهما نفس جذور العبادة، وعليه تهدف الثقافة بهذا التعريف إلى أمرين: ربط الناس ببعضهم البعض بالرعاية المتبادلة، وربط الإنسان بذاته من خلال رعايته لروحه، وهذا ممكن باعتقادي عبر البناء المعرفي أو عبر الاستلهام الجمالي. وهذا يُرسي إطارًا مهماً، يحدد موقعنا من علاقة الثقافة بالوعي العام، وفي الوقت الذي يبدو أن كل شيء أصبح يدعى ثقافة1، تُذكّرنا حنة آرنت، أن الثقافة ليست كذلك!
أزمات الثقافة ترتبط ارتباطاً قوياً بظهور المجتمع الجماهيري. لماذا؟
لأن المجتمع الجماهيري يتميز باقتلاع الأفراد من جذورهم ثم عزلهم عن بعضهم ثم تفتيت وجودهم، وعليه يحول المجتمع الجماهيري الثقافة من كونها موجِّهاً للترابط إلى منتجات ثقافية، تماماً كالسوق تُصبح المنتجات الثقافية فيه منتجات استهلاكية ترفيهية شائعة، كمعارض الكتاب، مهرجانات الفنون، مواسم الجوائز، ومن ثم حسابات انستغرام وتيك توك، بودكاستات المشايخ والفنانين بالساعات، وغير هذه المنتجات على السواء، في جلها حول ماذا تدور؟ ولماذا؟ وليس هذا اعتراضاً ولا تعميماً على نشر المعرفة بقدر ما هو تساؤل حول جعل الثقافة محصورة بتكثير المنتج عبر القوالب المعهودة فحسب.
يزداد الأمر خطورة ليس بسبب الجماهير نفسها، فكلنا من الجماهير، بل لأن هذا يتماهى مع المجتمع الذي يرتبط بأزمات الثقافة والذي هو في جوهره مجتمع استهلاكي، غير معنيٍ باستغلال وقت الفراغ في تحسين الذات مثلاً أو في تحسين المحيط مثلاً، بل في الاستهلاك أكثر فأكثر، والترفيه عن النفس أكثر فأكثر والتشتت أكثر فأكثر. وهذا يقضي علينا. وينسف الوهم الذي يعتقده أمثالي من الإيجابيين، تقول حنه: “إن الاعتقاد بأن مثل هذا المجتمع يمكن أن يصبح أكثر تحضرًا مع الوقت مع التدريب والتعليم اعتقاد خطأ”، وإذا أعملنا الفكر نكتشف فعلاً أن السلوك الاستهلاكي حين يستشري يدمر كل ما يلمسه حتى التعليم ذاته، التدريب يصبح مقولباً بأشكال بالية وحول المهارات التي يتطلبها مجتمع الاستهلاك، والتعليم يتم توجيهه للغايات التي تزيد شركات الاستهلاك نجاحاً، وتزيد اعتقاد المتعلمين بأن هذه الغايات هي النجاح المأمول فيرنون إليها، فيزداد المجتمع بعداً عن أولويات وجوده، ثم إن تلك القوالب تصب في استهلاك التعليم لذاته كمنتج استهلاكي مما يدمر معناه وروحه، ولا يعود لا الوقت ولا عمل المعلم يسمحان لنا بالخروج من هذه الفوضى. فلا بد من البدء باقتلاع سلوك الاستهلاك الجماعي من جذوره فينا. ويذكرني هذا مرة أخرى بالتوبيخ الكبير في: ألهاكم التكاثر!
ثم، العنصر الثاني المهم للغاية هو أن المجتمع الجماهيري يحتاج بالضرورة لكي ينجح إلى تقسيم الناس إلى نخب وجماهير، وبالتالي تصبح الثقافة أداة لأغراض ذاتية أنانية. أي أننا حين نحوّل الثقافة من أغراضها إلى تحقيق غايات شخصية يبيد المجتمع ثقافته بيد مثقفيه؛ حيث تستخدم النخب الثقافية الثقافة لترسيخ سلطاتها الفكرية من خلال الحفاظ على هرمية نخبوياتها، فيكبر الانقسام بين من يتمتعون بمزايا القرب من المثقفين من المتابعين والمريدين ومن سيحُرمون منها إلى أن يعودوا لحوض المنهج الذي ترسمه النخب فيمتازون بامتيازاتهم. إن التهديد المُحتمل للثقافة عند استخدامها وتطويعها لخدمة أنساق فكرية وسلوكية معينة دون غيرها هو جعلها خادمة لتقديس الأشخاص والممارسات غير المقدسة بالضرورة وصار التمييز بين غير المقدس من الموروث والمقدس حقاً أصعب، وستدمر هذه الثقافة نفسها ذاتيا ومن الداخل، وهذه أمور شهدناها في التاريخ والتي لا تزال سارية في بعض أنحاء العالم من تحويل الثقافة لأغراض أنانية.
ثالث عنصر هنا هو أن المجتمع الجماهيري الاستهلاكي يُفضّل الفراغ على العمل مع الوقت. تقول حنه إن المجتمع الجماهيري غالباً لا يريد الثقافة ليعمل بها، وإنما يصبح وقت الفراغ – كالنوم – جزءاً من العملية البيولوجية الأوتوماتيكية للحياة: أكل نوم إعادة. هذا البعد البيولوجي الوجودي للحياة الذي يجعل الناس منخرطة دائمًا في عمليات روتينية استهلاكية لانهائية غير واعية، واستقبال سلبي وتشتيت، يصبح الترفيه فيه أشبه بعملية أيض تتغذى على إعادة التهامها لذات الأشياء دون وعي. وتصبح الثقافة في عداد السلع الترفيهية والاستهلاكية، رغم أن السلع الترفيهية والاستهلاكية في الواقع مُصممة للاستهلاك الغرائزي حتى الإنهاك، على عكس المنتج الثقافي الذي يتطلب جهدا ووقتا لفهم معناه. وعليه يمكن أن تقاس جودة منتج ثقافي ما بقدرته على دعم العملية الحيوية للمجتمع ليحقق ارتباطات بالقيم. ما هي قصة الانتماء الدائم للمعنى ومنظومة القيم؟ فكرة الثبات حاضرة جدًا ومهمة جدًا بالنسبة لحنه آرنت بحسب ما فهمت، فالثبات عندها هو القدرة على تجاوز الزمن، والعصور، والمتغيرات. وهكذا، فإن الثقافة تتعلق بسن معايير، واستحداث أساليب حياة، وأساليب تواصل، وهياكل تدوم وتدوم، وتتيح في خضم ما هو زائل ومتحرك وغير مؤكد أن يكون له أساس جوهري كأرضية أبدية يستند إليها ويمدها باستقرار يكون بمثابة عمود فقري.
تقول: “يصبح العالم غير إنساني وغير صالح لتلبية الاحتياجات الإنسانية عندما ينجرف في حركة لا يبقى فيها أي نوع من البقاء”. ومن الواضح جدًا بالنسبة لها أن التجذر حاجة إنسانية عميقة للحفاظ على إنسانيتنا في هذا العالم. لقد رأينا بعض عناصر هذا المجتمع الجماهيري الاستهلاكي اليوم، وفي مجتمع الجماهيرية، تستهدف حنه شخصيتين، أو وجهين لمجتمع الجماهير، وهما في الواقع طريقتان أساسيتان للتواصل مع العالم ومع الذات أيضًا بطريقة معينة. هناك شخصية المستهلك وشخصية المثقف البسيط:
فمن هما إذًا؟
حسنًا، المثقف المستهلك هو من يختزل أي عنصر ثقافي في النفعية المادية المباشرة له. أي لأنه يقيس المنتجات الثقافية بمباشرة إن كان مفيدا له أو لا، ومن ثم يكون شبكة قراءته وخياراته بمباشرة النفعية المادية التشغيلية، وهي القراءات الاستهلاكية والمألوفة، والنفعية التي يأخذها أو يتخلص منها.
أما الشكل الآخر، فهو شخصية المثقف البسيط، فالأمر مختلف بعض الشيء. المثقف البسيط هو من يستغل الثقافة لتحقيق مكانة اجتماعية (يسميه نايف بن نهار المثقف الديبلوماسي)، ويؤكد وجوده من خلال الثقافة أو ما يشبهها، كغطاء للوصول إلى فئات معينة من المجتمع، وبالتالي إلى نخب معينة لتحقيق مكانة اجتماعية أو لتعزيز نرجسية ما. وهنا، تصبح الثقافة علامته الاجتماعية. وبهذا، يختزلها في مكانته ويختزل تداول الفكر والفن فيما يعزز هذا، وباختزال الثقافة إلى هذا الحد، يُدمّر قدرة المنتج الثقافي على التأثير في نفسه، على التأثير فينا، وعلى التأثير فيما وراء المباشر الآني أيضا.
لا بد إذن للعناصر الثقافية من أن تُلامس جزءًا من الخلود المعنوي في المثقف قبل غيره إن أراد أن ينتج ما لا يعد فائضا استهلاكيا ممجوجا في التاريخ والمجتمع. ومن الضروري ألا يفكر المثقف بالثقافة على أنها غطاء معرفي ينتؤ به عن مجتمعه بالامتيازات – كالحادث مع كثيرين من الفنانين في مجتمعاتنا -، بل على أنها إحاطة بأفكار وخواطر وأعمال تُنيره من الداخل وتُنير أحكامه عن الواقع، وتُنير أيضًا معنى حياته وحياة معاصريه كالفانوس وتبقى إرثاً أبدياً لمن بعده.
أما العنصرالرابع و الأخير في هذا الجزء المتعلق بأزمة الثقافة، فهو بالطبع في ربط أزمة الثقافة بالمجال السياسي والحياة السياسية، وليس المقصود هنا بالمجال السياسي التصورات العامة عن السياسة، أو السياسيين، أو الأحزاب، والتكتلات وما إلى ذلك، لا، وإنما حقيقة أننا جميعاً شئنا أم أبينا متحركين في المجال السياسي. وأننا نحيا الحياة السياسية بمجرد أن قررنا العيش مع الآخرين. فمنذ اللحظة التي نصبح فيها أفرادًا مع الآخرين في فضاء من التبادل والنقاش والمشاركة والإنتاج، نكون في الحياة السياسية. هكذا تقول، وتؤكد أن الذوق، في علاقته بالثقافة، هو ملكة سياسية تسمح لنا بالتواصل الجميل مع الآخر.
لماذا؟ لأن الثقافة بهذه العلاقة مع الذوق تسمح لنا بتكوين مجتمع قائم على الحكم والمعنى. وهذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكر كانط، الذي يقول إن الممتع ذاتي وأناني، بينما الجميل عام عالمي. لكن باستبدال الثقافة بالترفيه السهل، يتخلى المجتمع عن السعي وراء العالمي الكوني الجميل، وعندما تكون هناك أعمالٌ ثقافية بعيدةٌ عنّا، غير مألوفةٍ لنا، غريبةٌ عنّا لأنها ليست أشكالًا نعرفها، وليست تعبيراتٍ نعرفها، فلأسبابٍ عديدة، يتطلّب الأمرُ منّا جهدًا لنجعلَ ما هو غريبٌ مألوفًا. سيتطلّبُ الأمرُ جهدًا للدخول في فكرِالمؤلف، و في عوالم سياقه قبل أن نستنبط المعنى وقبل أن نحكم عليه أحكاماً تحرمنا الإفادة من فكره. يتطلب الأمر جهدًا للدخول في تفكير مؤرخ أو عالم أو فنان.
خذ مثلا: ما الفكرة التي أراد مايكل أنجلو أن ينحتها على الرخام مع تمثال داود العظيم الشهير؟ ما المعنى الذي أراد المعمار سنان إيصاله حين ربط مسجدا بكنيسة بصومعة بالحمامات العامة في بلغاريا عبر أنفاق تحت الأرض؟ هكذا تقرأ المنتج الثقافي: بسؤال ما معنى؟ وما تداعيات؟ وما سياق؟ وكل هذا يتطلب جهدًا ليس لدينا، ليس من السهل الوصول إليه هكذا منذ البداية.
لماذا يهمني هذا؟
لأنه سيسمح لنا بتكوين مجتمع معًا وإن اختلفنا وسيمكننا أن نقترب ونفهم ما يختلف عنا، وما هو غريب عنا، وما هو بعيد عن وعينا بالفضول، لقد سمح لي هذا من أن أنتمي لعوالم لاتنتمي لبعضها بل تتنافر أحياناً والإفادة منها وفهم منطلقاتها. وهكذا، فإن هذا المجتمع الذي يُنتج أفرادًا مثقفين بهذا المعنى العميق يدفع أفراده للخروج من ذواتهم للتواصل مع ما يختلف عنهم، إذ يتطلب الأمر الخروج من مرجعياتهم التلقائية وتعطيل أحكامهم لبرهة لمعرفة ما يمكن التثاقف فيه، لتجربة أكثر وعيًا وعمقاً وإثراءً، هذا الانفتاح لمشاركة ما هو مشترك وبناء روابط من هذه الأفكار. لكي نفهم لابد لنا أن نبني روابط مع أنفسنا أولا، ومع أفكارنا ثانيا، ومع الآخرين أمثالنا ثالثا، ثم مع الآخرين المختلفين عنا رابعا، ومع علاقاتنا بالأشياء وبالعالم وطرق تواصلنا مع كل هذا خامسا، ولنرى أيضًا التطبيقات العملية التي يمكننا إيجادها من هذه الأفكار، ومن ملاحظاتنا، ومن رؤانا. إنها أيضًا طريق المثقف لتكريم فكرة ما أو لضحدها، بموضوعية، قبل التمكن من البدء بممارستها أو رفضها .
ولن يكون هذا ممكناً دون أن ننتبه إلى الأزمة الأكثر غلبة من كل ما سبق والتي يطرحها علينا الوضع الراهن في الثقافة اليوم وهي علاقة الناس بالزمن
هذا الواقع المأسور أبدا بالآني من كل شيء، وبما يحدث حولنا بسرعة كبيرة، وبالانتقال من إحساس إلى آخر ومن مُحفِّز إلى آخر، من اقتراح إلى آخر ننتقل بينها كالوميض، يجعل من الصعب جدًا الهروب من هيمنة اللحظية على البشر. والمشكلة هنا أن هذا لا يُغيّر فقط من علاقتنا بالمستقبل، بل يُغيّر قدرتنا على استيعاب الحياة الواسعة في الحاضر وما يتطلبه الحضور من التأمل و التخيل و الترابط والوجود، الوجود بكلك في اللحظة الحالية تماما، بعض الأبحاث بدأت تثبت أن متوسط انتباه الفرد صار الآن أقل من ثماني ثوان! و لأن المستقبل يرتبط بقدرتنا على الرؤية والتخيل وتمثيل أنفسنا في مجموعات، فأي مستقبل نأمله ولا أحد ينتبه لأحد ولا فكرة تبقى ولا فكرة تُعالج؟ بجانب التغير في القدرة على الخيال والارتباط بالمستقبل، هناك تغير ملحوظ في قدرة الذاكرة على الاستحضار يجعل الانسلاخ من الماضي وترابطاته حتمياً وكارثياً، يشكو المعلمون والعاملون مع المراهقين الصغار، من عدم تمكنهم من الحفظ و فقدان قدرتهم على التعبير الرصين عن الأفكار والأحداث ولو حدثت خلال ساعات قليلة. سؤال الذاكرة برمته جعل غير واحد من معارفي يتركون سلك التدريس في العام الماضي، وهو أمر مهم في علاقة الإنسان بنفسه وبحاضره و بمستقبله، وبماضيه، ناهيك عن ثقافته وما يثيره هذا من تساؤلات حول الإبداع والأصالة، وبحث الناس الدائم عن الجديد الفريد وكيف يستخدم هذا من الجهات التقانية لجذب أكبر عدد ممكن من الناس .للاشتراك في هذا المنصات والبقاء فيها سادرين بلا ثقافة وبلا مثاقفة
- يرد هذا ويتكرر مؤخرا كثيرا على ألسنة المثقفين وامتعاضهم من أن يدعى كل شيء ثقافة، أختار منها مثال حسام جزماتي نظراً لأهميته في السياق السوري وخاصة بين المثقفين في نقد وزارة الثقافة السورية الجديدة هنا، وكنت قد كتبت مسودة المقالة في أبريل وأعدت نشرها بعد مشاهدة المقطع
- الصورة أعلاه على عادتي باقتباس عمل فني، هي جدارية بالغرافيتي لبيت في ديكوتا، يعتقد أن قائلها على الأغلب عن الامبراطور والفيلسوف الروماني Marcus Aurelius، ظهرت على الشبكة على موقع المدون الإيطالي Giornalaio
