حديقة تيرغاردن التي تتوسط مدينة برلين الألمانية والتي تحوي تماثيل ومنحوتات عديدة، استوقفتني البارحة لتأمل تفاصيل منحوتة بدت لي أنها امرأة على ظهر حصان

أسعدتني لبرهة مصادفة أن أقف في يوم المرأة العالمي 2024 أمام التمثال الذي يحمل رمزية اليوم: امرأة تمتطي صهوة جواد وتحمل رمحا بشجاعة وجمال وهدوء في يوم مشمس بعد أيام من الضباب والمطر والعواصف، لم تكن سعادتي سيرا مع موجة النسوية بالضرورة بما لها وعليها من إشكالات، وأنما لما للرمزيات من معان في اللحظة التاريخية التي تشهد شجاعة الكثيرات من النساء العربيات؛ الفلسطينيات اليوم، السوريات واليمنيات والسودانيات البارحة، والتي لا تأتي على ذكرهن سرديات النسوية الأوروبية، وخاصة نساء غزة اللواتي يقفن كأشجار الزيتون لا يهزهن استشهاد أبناءهن أو ولادتهن في قلب العاصفة عن أن يبقين في ثبات انفعالي ويقين باسم لا تعرف اللغة بعد كيف تحتويه وتعبر عنه

اقتربت لأعرف أكثر عن المنحوتة، فكانت رحلة تاريخية :

المنحوتة أمازونية على ظهر فرس للنحات الإيطالي تويلون(1) الذي اشتهر بها، صممها في روما بين عامي 1890 و1895، بعد دراستها والتعديل عليها أولا على نموذج شمعي، وبناء عليه تم تصميم نسخة نحاسية اشتراها مدير متحف برلين الوطني بأمر من قيصر فيلهلم الثاني عام 1906 وتقف في مدخله منذ بداية القرن وتقف هذه النسخة الثانية في الحديقة الكبيرة، تشهد على التاريخ حيث بقيت المنحوتة ضمن ما بقي دون أن تدمره آله الحرب العالمية الثانية، بقيت مع الرايشستاغ، وحدهما في حين دمرت المنطقة 1945 في محيطها فلم يبق منها شيء.

تقول الأسطورة أن مقاتلات الأمازون كنَ أول من استخدم الفرس في القتال للدفاع عن أرضهن، وأنهن ينتمين لشعب عاش في مناطق البحر الأسود، بين إثنية فارسية أناضولية، اشتهرت مقاتلات الأمازون بكونهن نساءً في غاية الجمال والفتنة، أو هذا على الأقل ما تؤكّده الرسومات القديمة التي كانت تصوّر معاركهن ضد الإغريق. وقد نسخت هذه الصورة لامرأة جميلة مناضلة عبر التاريخ في جغرافيات عدة في بعد ذلك منها إفريقيا وجنوب أمريكا، على أن السبب الذي أحيا الأسطورة وأعاد للقرن التاسع عشر الانبهار بهن، أن الاستعمار الفرنسي حاول جاهدا أن يطمس هوية هذا الشعب الملهِم ويحرق الوثائق التاريخية التي توثق وجوده فكان أن استثار هذا السلوكُ الفنَ والفنانين، حيث يقع الباحث على أكثر من عمل لغير فنان واحد شغفته بسالتهن وحاول أن يوثقها بعمل فني ما


تعود تسميتهن بالأمازون كما يعتقد مؤرخو الفن ممن راجعتهم إلى أن مازوس تعني صدر أو ثدي، وأمازوس هو الصدر المبتور، حيث يقال أنهن كن يبترن أحد أثدائهن لتسهيل القتال، أو لحماية أنفسهن حين يقعن في الأسر، فكن يعرفن بأنهن المقاتلات ذوي الصدور المبتورة أمازون، كما تشهد المنحوتة أيضا على هذا، وكما تم تسمية نهر الأمازون فيما بعد تيمنا بهذه البسالة ونظرا لوجود مقاتلات في دولة بنين الذين ذكروا المستعمر بمقاتلات الأناضول في الأساطير.

مما لا شكّ فيه أن الامازونيات كنّ مقاتلات عنيفات، وأنهن في الكثير من المناسبات شكّلن تهديدا خطيرا لـ أثينا حيث كان الإغريق يخشون بأسهنّ. وكن يتحالفن حينا مع الممالك الأخرى للإيقاع بممالك مغيرة، وينجبن أطفالا من رجال قبائل أخرى ثم يرسلن الأبناء الذكور لآبائهم حين يشتد عودهم للتحالفات ويستبقين الإناث، ويقال أن نساء الغجر هن بقايا هذه السلالة في أوروبا.

السؤال الذي أتركه لنا: كيف يمكن للفن أن يتحدى اليوم كل هذا الجنون الذي نمر به؟ كما وقفت هذه المنحوتات أمام قوى استعمارية فرنسية وغيرها بالقرن التاسع عشر برقة وصمت شاهدتان على تحدي الفنان لإغارة القوى الاستعمارية على الشعوب الأخرى وتذكيره واستحضاره أساطير انطمست ليعيدوا ذاكرة الأرض للشعوب الشاهدة على الأذى


  1. “Amazon on Horseback” Statue by Tuaillon (1890-1895)