كان علماء التصوف يتبعون منهج ابن عطاء الله السكندري في قوله

ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه

والخمول غير الكسل، ودفن الخمول سعياً لإنتاج أكثر مضاء أمر هام، فالمرء خامل الذكر يستتر عن الضوء طوعاً ليرعى ويتأمل أمره في عزلة عن الصخب والتشتت، وقد كانت العرب تطلق مسمى الخميلة على البستان كثيف الشجر لا يُرى فيه الشيء إذا وقع فيه لشدة التحام غصونه، والخامل من الناس على غرار الخميلة غصونه حبلى. وعلى الرغم من مرور بضعة قرون من الزمان على هذه المقولة إلا أن قيمتها اليوم أكبر من أي وقت مضى و حاجتنا للعزلة الاختيارية لاستنبات الإنتاج باتت ملحة أكثر

منذ عام 2010 وحتى اليوم، ينتج الناس كل يومين من المعلومات المتناقلة عبر الانترنت ما يساوي في كميته ما أنتجته الإنسانية منذ بدء الخليقة حتى عام 2003

إيريك شمدت – رئيس مجلس إدارة غوغل

و على كل منا التعامل مع كمية من الزخم المعلوماتي في حسابات المرئي والمسموع والمقروء في التطبيقات المختلفة ما لم يعد يمكن عده أو حصره  في بيئات عملنا ومحيطنا الاجتماعي، فهل يمكن لعقلنا البشري التعامل مع هذا الكم المهول من اندفاع المعلومات المفيد منها أو الغث؟ و كيف يقوم العقل بمعالجة هذه البيانات هائلة السرعة في جريانها؟

يشرح ديفيد روك في كتابه “هذا عقلك أثناء العمل” أن العقل البشري ينخفض أداؤه إلى 50% حينما يضطر إلى تقسيم تركيزه على أمرين مختلفين معا أو ما يسمى بتعدد المهام “multitasking” وعليه فإنك كلما أضفت مهمة أخرى تكون قد حمّلتَ عقلك عبئا فوق ما يستطيع وخفضت مستوى أدائه دركة أقل ( و الدركة تطلق على مراتب الانخفاض بينما الدرجة على الارتفاع )، وحين تحشر فيه مجموعة من المهام معاً تعدو الكمية التي يحتملها العقل يتوقف تماما كما يتوقف جهاز هاتفك أو حاسوبك حينما تفتح كمية من التطبيقات أكبر، من قدرة المعالج على التحمل(hang)، وذلك لأن العقل يصبح عاجزا عن فلترة المعلومات التي لا أهمية لها للمهمة التي بين يديه؛ كما تقول ورقة بحثية صدرت  قبل أعوام من مختبر علوم الدماغ في ستانفورد 

وبين حكمة السكندري و إحصاء غوغل و بحث ستانفورد، محور جوهري يعنى به هذا المقال وهو مهارة من مهارات قيادة الذات للإنجاز بهدوء، في عزلة تأملية اختيارية بعيدا عن الضوء سأسميها مهارة الخمول أو إدارة الطاقة.

مهلا أرجوك! لست من المختصين في فنون الطاقة والماورائيات الروحية!


الطاقة هنا تتبع المعنى الذي استخدمه القرآن للتعبير عن الوسع والقدرة الاستيعابية لتحمل الانسان (لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) و إن استخدمها أهل فنون روحية أخرى للتعبير عن غير المرئي أو الميتافيزيقي أو لمعان أخرى في الانسان

و اعتقد أن ما كان يطلق عليه سابقا إدارة الوقت سيختفي ويتحول مع تزايد الزخم الرقمي إلى إدارة للطاقة البشرية؛

أين وكيف تصرف إبداعك؟

كيف توزع اهتمامك وأولويات تركيزك؟

ما الذي يسترع انتباهك ويشغل مساحات تفكيرك؟

فيمَ تملأ مشاعرك؟ سيما إن أدرك الإنسان أن المشاعر هي ما يحركه إما إلى تدفق في حياته أو إلى عراك لا ينتهي مع الناس والوقت والأحداث والأشياء؟

كيف تدار الطاقة البشرية؟

في الفيزياء تكون القدرة على أداء شغل متناسبة مع كتلة الجسم واتجاه حركته وهي ما يطلق عليه الطاقة الفيزيائية، ثم تحسب الطاقة الكلية بمجموع طاقة سكون الشيء وطاقة حركته معا. وتأخذ أشكالا مختلفة جدا حرارية أو ضوئية أو نووية فإذا عاملت عقلك بنفس القانون واحترمت قدرته الاستيعابية حتم عليك ذلك

  • تخفيف الاندفاع المعلوماتي الذي تعرضه له بشكل يومي
  • إعطاؤه كمية من السكون (نوما و تأملا وترويحاً ) وكمية من الحركة (رياضة أو رقصا أو مشيا أو غير ذلك) ينسجمان مع قدرته على التحمل
  • تحديد 3 أولويات لاتشغله بسواها بشكل يومي والتي من شأنها أن تبقيه في أمان ( لاحظ كيف أحشر اسمي في كل شيء )

لا بد أن يسأل الانسان نفسه كل يوم وخاصة في الأيام الأكثر ازدحاما: ماهي الأولويات التي إن ركزت عليها كان ذلك استثمارا طيبا لطاقتي

 

وما شأن كل ما سبق بالعزلة الاختيارية؟

 

يؤدي هذا التواجد المزدوج لكل منا في مساحات وفضاءات متوازية متزامنة وبهويات الكترونية متعددة (أنت في بعضها مستهلك وفي بعضها مشارك وفي بعضها محاضر وفي بعضها هاوِ وفي بعضها مستمعا لفن أو لاعباً في مجموعة أو مناقشا لقضية محلية أو أو أو ) إلى الضغط على النفس بشكل لم يسبق له أن حدث في تاريخ الإنسان على الأرض قبلاً. وهذا يجعل كلا منا بحالة انفصام تجعله متصلا جزئيا بكل من هذه المساحات والفضاءات منفصما كليا عن ذات واحدة حقيقية منسجمة مع محيطها المحلي وتحاول فهمه والتفاعل معه وخلق معان فيه!

وهذا وإن كان مشاهدة شخصية تماما مني إلا أنه لا تكاد تخلو دورية جديدة تعنى بعلم النفس الرقمي وعلاقة الإنسان بالآلة من بحث أو اثنين حول آثار ومآلات هذه الأحوال.

مما يجعل العزلة الحقيقية أشبه بالمستحيل، ويجعل كثيرا من المشاهير وغير المشاهير منا حين يجرب الانقطاع ولو لفترة موجزة والانعزال الالكتروني يشعر بأنه أنجز إنجازا مهولا تجاه نفسه و خاض تجربة تستحق الكتابة عنها ومشاركتها.

كنت قد قررت في آخر العام 2016 الميلادي أن أقطع علاقتي تماما بوسائل التواصل إلا ما كان احتياجا بحتا لا خيار آخر فيه لدي  وأجرب حياة العزلة بحق وقد أتممت الآن قرابة الأربعة أعوام وأنا أدعي أنني أكثر وعيا وقيادة لطاقتي من العشر سنين التي كنتها نشطة جدا في هذه الوسائل، عدت للكم من الكتب الذي كنت أقرؤه في مراهقتي وقبل اندماجنا تماما بالعالم الرقمي، واتسعت مساحة الإنجاز والحضور في كافة جوانب حياتي: صحة و تركيزا و رضا و عطاء في دوائري ، لكن عرض التجربة ليس محله هنا.

ما أود عرضه أن هذه التجربة تهب صاحبها شعورا حقيقيا بالعزلة الشعورية في ما يشغل البال وفي ما يتم التركيز عليه تجعله أقرب لتفرده و أشد مضاءً فيما يحب ويرضى وهذا هو المهم!

تماما كالفرق بين من كان في التسعينات ينتقي ما يريد أن يسمع فيشتري الكاسيت، وبين من يشغل المذياع ليسمع ما يختاره له الآخرون، ولكن مع مضاعفة هذا الأثر مرات ومرات.

كتب ويكتب وسيكتب في جوانب هذا باحثون كثر ، من بينما لفت انتباهي مؤخرا مقاربة للأنا الحقيقية و الأنوات الالكترونية والتي ناقشها في كتابه د. أيمن كريم / الإنسان … محاولة للفهم؛ مناقشا في أحد فصوله جانب الهوية الحقيقية وكيف يتأثر  بالمكانة الافتراضية التي يخلقها واحدنا لنفسه بكثرة المتابعين وحظوة اللقب ثم يعود فيجد على هويته الحقيقية التعامل مع ذوات كثيرة لكن كلا منها وهمٌ بعيد ومزعج عن الذات التي هي ليست أيا منهم بالكامل ولكنها بعض قبسات من كل هذه الذوات ومع هذا البعض أخطاؤه ومساوؤه وحياته المليئة بالمسؤوليات التي لا تنسجم مع ذواته الالكترونية المحسنة! وأعتقد أن المنتبه لهذه الأبحاث يشكل مع الوقت نوعا من الحصانة وإعادة موازنة للذات بين حين وآخر.

 

هل للعزلة الاختيارية من قيمة اقتصادية؟

 

لنعد قليلا إلى الوراء…

فرح الناس أيما فرح بعد ثورة الانترنت بأواخر التسعينات بالشبكات الاجتماعية المجانية وحين حوكم مارك زوغربرغ (مدير فيسبوك) قبل بضعة أعوام عرف العالم أهم ملمح من ملامح هذه الحقبة وحذف أكثر من خمس ملايين مشترك حساباتهم من فيسبوك على إثر ذلك في أوروبا وحدها مدركين أنك حين لا تدفع مقابلا لمنتج تستخدمه ويتاح لك مجانا؛ حينها تكون أنت وانتباهك ومشاعرك ومعلوماتك هو المنتج الذي يباع ويشترى لغيرك من شركات إعلان وحكومات وغيرهم ممن يدفع، ليس هذا فحسب بل تكون قد أخذت قرارا غير واعٍ بأن تضع قدرتك على التركيز وانتباهك وقدراتك الإدراكية ومزاجك العام في يد المسوقين الالكترونيين وباحثي السلوك الاجتماعي لهذه المؤسسات التسويقية، لن يكون قرارا غير واع بعد قراءتك لمقالات من هذا النوع ولكنها بالعربية قليلة جدا حيث تعتبر السوق العربية وخاصة الخليجية أحد أهم الأسواق الاستهلاكية عالميا وعليه فتوعية المستهلك فيها تأتي في آخر سلم الأولويات العالمية في محافل حوكمة الأسواق.

للاستزادة حول هذا الأمر يمكن الاستهداء بكتابين لمستشار الابتكار الرقمي جارون لينيار (1) من يملك المستقبل (2) عشر حجج لتحذف حساباتك الالكترونية الآن، وقد أفدت من الكتابين الكثير رغم أنني كنت قد حذفت معظم حساباتي قبل قراءتهما.

نعود للعزلة وقيمتها الاقتصادية…

كان الخبراء الاقتصاديون يتوقعون في بدايات القرن العشرين أن العالم إن وصل إلى تقنية تربطه ببعضه وتوفر عليه الحسابات والاتصال والوقت والجهد كما تفعل اليوم الشبكة والثورة الاجتماعية للرقمنة فأن الذي يحتاجه العالم ليكون مزدهرا اقتصاديا هو نصف ساعات العمل التي كان يبذلها الموظف في أوائل القرن العشرين!

لم يحدث هذا لأن الجشع جعل الإنسان – وخاصة الرأسمالي المؤمن بالتوسع الاقتصادي كقيمة كبرى في حياته – ينشئ امبراطوريات مادية صار يخدمها ويجيش من أجلها خدما آخرين بدل أن تخدمه وتخدمهم وصار دائما ما يريد أكثر دون أن يسأل نفسه لماذا أدفع باتجاه المزيد من التوسع. المصيبة التي وصلنا لها أن معظم الناس اليوم بدل أن تتحقق فيها نبوءة القرن من انخفاض ساعات عملها للنصف باتت تهرع بوقع تسارع أكبر وتشتت أدهى وتوتر أكبر واحتراق بدني ونفسي أصعب دون أدنى حاجة لذلك.

 

تخيل معي بعد عدة أجيال أن يتساءل من بعدنا عما أنتج جيلنا من أدوات حضارية و من إرث ثقافي! إجابتنا محصورة في جلها حول صناعة التفاهة واستهلاكها وتدويرها بين تيك توك وانستغرام وسناب تشات؛ ما يذكرني بمقال في نيو يوركر أثار دهشتي مؤخرا لدقته في وصف  الحالة الاجتماعية التي خلقها تيك توك ويلخصها في أنه حوّل مستخدميه إلى مستهلكين لشيء سماه استهلاك الإيقاع الاجتماعي ، لايريد المستخدم سوى ذلك؛ لا أتوقع منك علما ولا معرفة ولا منطقا فكريا ولا حكايات ولاحتى فناً أو تواصلاً معنوياً عميقاً، أتوقع فقط أن تربطني بإيقاع مجتزئ من أي سياق لا أكتر ولا تحاول أن تحلل ولا أن تجعلني أفكر !

 

بعد حقبة زمنية لا بأس بها من هذا الاستهلاك أعتقد أنه لا بد أن يعود هذا الزخم كله بالإضافة إلى التحديات التي يخلقها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا على عقول الناس عجزا في التعبير عن ذواتهم ودخولا في ما أسماه بعض الباحثين الاجتماعيين في الصين ظاهرة الاستلقاء المسطح (lying flat phenomenon)

الظاهرة تشكل حالة مفزعة ومدهشة في نفس الوقت ويعتقد بعض الباحثين أن لها علاقة مباشرة بأمرين معا وأنها نتيجة مشتركة لهما: نوع الحوكمة السائدة في الصين بالاضافة للضغط اللامحمول على تعامل الإنسان مع فضاءات وهويات الانترنت؛ المئات من الأشخاص الذين لم يعد لديهم أي رغبة سوى بالاستلقاء المسطح والتصفح، لا عمل ، لا علاقات ، لا شيء سوى كائن مسطح عديم الأمل. وما يدفعني أكثر للاعتقاد بالفرضية التي تربطها بالنقطة الثانية هي مشاهدتي لاتباط هذا السلوك بشكل طردي مع تزايد استخدام أي إنسان حولي لهذه الوسائل أيا كانت جغرافيته وظرفه.

يقف وراء كل من هذه الظواهر الجديدة : استهلاك الإيقاع الاجتماعي و ظاهرة الاستلقاء المسطح و صغط الذوات الوهم وغيرها امبراطوريات الكترونية جارفة يمولها ويجرفها تيار أكبر من أن أستطيع ثنيك وثني نفسي قبلك عن العزوف عنها، لكنني ربما أستطيع أن آخذك معي في رحلة جميلة لعالم العزلة الاختيارية بينما أنت وأنا فيها ومعها نتفاعل ونتدافع وهذا من السنن الكونية اللطيفة لوجودنا، سأفرد جزءا منه في المقال الثاني من هذه السلسلة


على عادتي أشارككم في كل مقال بعمل فني معه؛ اللوحة الفنية أعلاه تصميم نشرته شركة ليغو أو الجناح المعني منها بألعاب المؤسسات واسم التصميم (Covido ergo Zoom) وأعادت نشره عدة صحف منها صحيفة النيويورك تايمز في إحدى أعدادها تعبيرا عن متطلبات العمل الجديد وهو تعبير نطلقه في الاستشارات المؤسسية حديثا على ما نتوقعه للتغيرات في طبيعة الأعمال في السنوات القادمة (New Work)