كثيرا ما نتحدث في عالم الكبار عن هموم أوطاننا و عن التنمية المجتمعية المنشودة و عن تطوير المجتمعات من أين يبدأ و عن الوعي الجمعي الذي لا يرقى لهذه الأحلام وغيرها من المصطلحات التي نحلم بها لأرض أكثر إشراقا لنا وللأجيال القادمة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا وغير ذلك، وقليلا ما تقترب الرؤى العظيمة والأحلام اللامتناهية لكل منا من أرض الواقع.

الواقع على الأرض صعب مليء بالتحديات والقضايا ومسؤوليات المعاش التي تمنعنا من التركيز على إضاءة شمعة أبعد من محيطنا الأقرب.

في الأسطر القليلة القادمة تجربة صغيرة جدا تحاول أن تبني جسرا بين التحدي و المأمول ، لكنها كبيرة جدا إن نظرنا إلى الحلم الذي تبذره و إلى الأثر الطيب الذي تحاول أن ترويه على عدة مستويات ،  وهدف هذا المقال إشعال الغيرة لديك ولدى كل أسرة تقرؤه، آملة أن يتم نسخ هذه التجربة وتحسينها مرات ومرات ومرات.

سنابل الخير – الحكاية

لوغو قام بتصميمه سنابل الخير أنفسهم

تبدأ الحكاية قبل أكثر من عشرين عام ، حيث تربينا في بيوت محبة للخير وكانت فكرة المجتمع التكافلي حاضرة في المجتمع المحلي بين جيل آبائنا وأمهاتنا ، إلا أننا الآن نعيش في عصر مفتوح جدا ، و في بلدان متباعدة جدا والأسرة الواحدة قد تكون مثل أسرتي ممتدة على أكثر من 25 جنسية وأكثر من 15 جغرافية. جيل الأبناء بعيد جدا عن ثقافة التكافل بين الجيران والأهل وأهل المجتمع المحلي، ولكنه جيل حاضر جدا في نظام عالمي من التفاهة الالكترونية و التي تغير طريقة تفكير المرء وتحصرها في سيطرة أمور المعاش والترفيه والعيش الصغير للنفس وأمنياتها وتعطي السيادة للتفاهة على قيم التغيير التنموي، و على الرغم من القدرات الهائلة للأدوات الالكترونية اليوم إلى أن الهدر الكبير للطاقات والمصادر والوقت يسود الصورة من جهة والقهر (1) الذي تعيشه الشعوب في أوضاعها يطغى على المشهد العام من جهة أخرى فيصيب أفراد المجتمع بما يشبه الشلل الفكري.

“إن نظام التفاهة مصطلح يشير إلى النظام الداعم لتتفيه الحياة و الذي يتم تنصيبه كنموذج للنجاح ؛
إن التافه هو من ينجو باتخاذه قيم التفاهة فرصة أفضل للنجاح”

(2)


يمكنك أن ترى في مجموعة سنابل الخير مثالا لمحاولة تجسير بين فكر التكافل و بين جيل يعيش في نظام سائد لا يشجع على السعي للخير ولا يكافؤه. تسأل المجموعة نفسها باستمرار: كيف يمكن تدريب اليافعين ليدركوا صعوبة التغيير و مسؤولية الفكرة و أهمية البناء ؟ ثم في نفس الوقت يتمتعوا بلذة الفريق حين يكون لغاية أكبر من أنفسهم و يكون العطاء تنمويا لا للمنفعة الخاصة؟



قام أحد معارفنا وإخوته بقرار جماعي، لابد أن نبذر في أبنائنا حس المسؤولية العام، كيف؟

طريقة العمل تقوم على مبادئ بسيطة جدا ولكنها هامة جدا ، ألخصها بالتحليل التالي في مبادئ ثلاث:

1. الغاية أن يجرب الأطفال اليافعين بأنفسهم القيام بمشاريع تنموية مختلفة (developmental projects) ، ويعيشوا هذه التجربة الفريدة و الصعبة على أرض الواقع، من مرحلة الفكرة إلى مرحلة تشكيل الفريق والاجتماع في كل مرة، ومرورا بممارسة آليات اتخاذ القرار الجماعي والإدارة اللينة باحترام لبعضهم البعض مع شجاعة في الحق، ممارسة التصويت والاقتراع ، وفوز فكرتك مرة وخسارتها مرة أخرى لتتعلم فنون الحوار و الإقناع في المرات القادمة، مرورا بكل المراحل التي تتطلب التشمير عن السواعد والجهد والتعاون و التي لا يراها الناس عادة بين فكرة عظيمة وبين حقيقة مشروع تنموي محدد قائم على الأرض.

2. دور الكبار في المجموعة تيسير العمل (وهو فن حديث من فنون القيادة بالتشارك يمكن أن نساعدك في تطبيقه إن شئت) وتوفير الأدوات وتوسيع خيارات اليافعين والدعم، لا أكثر. وفي هذا تدريب لنا أيضا على أخذ خطوة للوراء وتعلم إعطاء اليافعين مساحة ليتحملوا آثار ونتائج قراراتهم وتصرفاتهم بدعم وتوجيه بسيطين لا أكثر والاقتراب خطوة من عوالمهم عبر العمل المشترك معهم بدل صرفهم الوقت في تفاهات الاستهلاك السائد، واستثمار أدوات زمانهم ولغات عصرهم من انفتاح على ثقافات أخرى ومحاورتها وغير ذلك بما يعود عليهم بالسعادة طويلة المدى وعلى الأرض خيرا وعلى جيل الآباء رضى عن إعدادهم لزمانهم، وبهذا تجربة تعلم أعتقد أننا أيضا نستفيد منها بالمثل.

3. السعي لإتمام مشروع بالكامل قبل الانتقال لغيره وقد أتمت المجموعة حتى الان ثلاثة مشاريع وهي في صدد مشروعها الرابع

المشروع الرابع للسنابل: تعليم الأطفال في معسكرات النزوح

أين السنابل الآن؟ إذا وددت تحفيزهم في دعم مشروعهم الرابع فهذه نبذة عنه، وإذا أردت أن يكون أبناؤك جزءا من هذه المجموعة فراسلنا حتى ندرجهم فيها وإن أردت أن يعم خير أكبر، فانسخ الفكرة لأسرتك وأخبرنا عن التجربة ليتضاعف الإلهام والأثر الطيب


المراجع

  1. استقيت هذا التعبير من عنوان جلسة حوارية مع الشباب للدكتور خليل الزيود
  2. هكذا تسميه أ. مشاعل الهاجري في كتابها نظام التفاهة المترجم عن الفيلسوف الكندي آلان دونو