لا يجمع الباحثين بدقة على السبب وراء هذه الشعبية الهائلة للعاصمة الألمانية برلين، فهي ليست لساكنها بالمدينة الجميلة على الإطلاق ولا الأكثر تمدنا أو مستقبلية أو تفوقا، إلا انها كما  وصفها بيتر شنايدر في كتابه برلين الآن :

برلين رغم قبحها هي ساندريلا المدن

بيتر شنايدر – كاتب متخصص في التحولات الاجتماعية في برلين

وبرلين هذه -كما بدت لي في سنواتي الأربع الأولى هنا- مزاجية حادة الطباع وعلى الرغم من ابتهاجها بين حين وآخر إلا أن مزاجها العام مائل للانقباض أكثر منه للانشراح، وقد تبدو بهجاتها العابرة للمار بها كبهجة المثقف بخرباشته و اعتداده بما رث من أفكاره وثيابه ونكشة شعره؛ يعتد هو بهذه التفاصيل لا لقيمتها العامة بل لقيمتها الرمزية عنده، يشاركني في هذه المشاهدة كتّاب شرقيون وغربيون مروا عليها بفترات مختلفة خلال القرن الماضي، منهم على سبيل المثال مروة كمال في قولها:

berlin-marwa kamel.png

هذه العدمية التي تكسو ملامح المدينة تمتد لتشمل مناطق السياح فيها أيضا، فهي لا تكترث برأي سائح ولابجيبه، وقد يكون مشروع المطار الذي يعتبره أهالي برلين أكبر نكتة في تاريخ المدينة نموذجا مثاليا لهذه الحالة اللامبالية، ففي الوقت الذي تحتار فيه مدن عالمية أخرى كيف تستجلب انتباه الآخرين وكيف تسوق نفسها لهم، تبدو برلين من النضج لما مر بها كسيدة بوهيمية يزيد عينيها ألقاً ألا يكترث لها ملياردير أحمق، ويزيدها انغماسا بعفويتها ألا يتوقف عندها سائح سطحي أبله، فلا تبالي بأن تشرح نفسها لمستعجل، لكنها وبكل تأكيد تحتوي بقلبها أطيافا من البشر تضيق بهم أكثر الأرض على اتساعها و رحابتها.

من عرف قبلها مدنأ مستقبيلة الطابع قد تصدمه برلين مرات ومرات قبل أن يعتاد فوضاها، وقبل أن تأخذ بيده ليستكشف في قبح تجاعيد هذه الغجرية الجمال، وعلى أننا لا نحب من مال طبعه إلى الكآبة، إلا أن في كآبتها مايزيدها جاذبية! ولربما يعود ذلك لما قال عنه اسكندر نجار:

برلين وبيروت كلاهما مفترق طرق ومختبر تجارب ، وحيث كانت في يوم من الأيام رمزا للتنابذ عادت لتصبح رمزا للوفاق بعد سقوط جدارها.

وعلى أنني لست باحثة في التخطيط الحضري أو في العمارة المدنية، ولست أيضا معنية بإنعاش السياحة المحلية هنا أو التسويق لمدينة أوروبية في غمة الأحداث التي يعيشها العالم اليوم؛ فعلام أضيع هذه الأسطر في مشاهدات ربما لا تخفى على أي من سكانها وقد لا تعني كثيرا من المارة؟ بالمدينة أدبا وشعرا في هذا المقام

يمكن استقراء حالة ماروائية للتأسيس المعرفي وخلعها على واحدنا في علاقاته و في مسيرته! أن يتابع المرء (أو المرأة وكلاهما في اللغة مرء) مشروعا يؤمن به في  الحياة ، مؤمنا بما يريد أن يؤمن به للأسباب التي يؤمن بها، ثم يغيرها غدا لأسبابه الداخلية، تماما كسيدة بوهيمية حاضرة في عالمها غير آبهة بما يحدث في هذا العالم من انفجارات رقمية أو إعلامية، لايمكن أن يكون هذا ممكنا إن لم تستغرق المرء حياته فيتشبع بها. فلا يعود لما سواها من دور كما يقول الطبيب النفسي د.بشير الرشيدي: أسقط الأغيار من الاعتبار لكي تنعم وتتمتع بحياتك أنت

 

أسقط الأغيار من الاعتبار لكي تنعم وتتمتع بحياتك أنت

الطبيب النفسي والمستشار التربوي – د.بشير الرشيدي

طرأ أن أكتب هذا في يوم الحب حيث الناس تنشغل بنوع من الحب رومانسي تبادلي مع شخص آخر بينما أركز ويشغلني في هذه الساعات نوع آخر منه وهو الحب الصحي المتوازن للذات.

شغلني لوقت طويل من حياتي تأمل الناس بتقلباتهم، وتعاملاتهم، وصحة علاقاتهم، وأثر هذا بشكل كبير في معرفة أي علاقات رومانسية تبقى وتثمر و أيها يموت ولا يقاوم التحديات. كنت أستمع كثيرا لمختلف الأطراف، و أشهد وأرى جوانبها الصحية وغير الصحية و أقرأ منها كيف يمكننا أن نفهم الحب ونسمح له بأن يرقى بنا بدل أن يهوي بنا…

ثم بدأت أرى مع الوقت كيف يمكن لشجرة قوية بذاتها أن تظلل الكثيرين حولها وتعطيهم الثمر وكيف يمكن لأخرى أن تكون عثرة في الطريق لأن جذورها الضعيفة لم تكن كافية لتثبيتها حينما هبت الرياح. 

وهكذا يمكننا أيضا أن نرى نفوسنا بالمثل قادرة على مد ظل الحب حين نكون أقوياء الجذور ، ضعفاء كعثرة في الطريق حينما نعجز عن حمل أنفسنا. 

عام مليء بالقوة أتمناه للجميع على سبيل حب قوي وصحيح