نُشر في الأيام الماضية خبر عن عمل فني أثار ضجة في الإعلام: موزة عليها لاصق، رآها صاحبها فناً ورأيتها محض هراء، ثم بيعت اللوحة بسعر يربو على 6 ملايين دولار مما دعاني لأتسائل: ما الذي يجعل للفن معنى؟ وهل هناك فن خال من المعنى؟ وهل من ضرورة أن يحوي الفن معنى؟
وقد ظهر بين الشعراء لون سُمي بالشعر الأجوف (لخلو جوفه من المعنى) والذي كما يعرفه أهل الشعر هو الشعر الذي لا يُقدِّم ولا يؤخّر، ولا تَخرُجُ مِنه بمعنى مفيد واحد، كهذه الأبيات:
كأنّنا والماءُ مِن حَولِنا — قَومٌ جُلوسٌ حَولهم ماءُ
الأرضُ أرضٌ والسَّماءُ سماءٌ — والماءُ ماءٌ و الهَواءُ هواءُ
والماءُ قِيل بأنّهُ يَروي الظَما — واللحمُ والخبزُ للسمينِ غِذاءُ
والبحر بحر والجبال رواسخُ والنور نور والظلام عماء
والحر ضد البردِ قولٌ صادقٌ والصيف صيفٌ والشتاءُ شتاءُ
ويقال أنَّ الناسَ تَنطِقُ مِثلَنا — أما الخِرافُ فَقَولُها مأماءُ
كُلُّ الرجالِ على العُمومِ مُذَكَّرٌ — أما النِساءُ فُكُلّهن نِساءُ
الميمُ غَيرُ الجيمِ جاءَ مُصَحَفّا — وإذا كَتَبتَ الحاءَ فهي الحاءُ
مالي أرى الثُقَلاء تُكرَهُ دائماً — لا شَكَّ عِندي أَنّهم ثُقلاءُ
هل من غضاضة ألا يكون للعمل الفني معنى؟
،الجواب المباشر أن لا ضير في هذا الشعر الأجوف، ولا في تلك الموزة الملصقة، لكن علينا أن نعترف أنهما من الفن الأجوف حيث لا إضافة يقدمها للحياة أيضا وقد كتب الأبيات السابقة الشاعر ابن سودون الجركسي على سبيل الأدب الساخر حيث شاع في عصره هذا الأمر فقارعه هازلا.
وما الذي دعاني لأكتب في هذا؟
انتشر هذا النوع من النصوص مؤخرا بين كتاب وفنانين عرب حظوا مؤخرا بالتمويل لأعمالهم الأدبية والفنية في ألمانيا، في الوقت الذي تضيق فيه فرص التمويل عن غيرهم، فكنت قد حاولت مرارا أن أستسيغ هذا النوع من الأدب أو أفهمه على تجويفه، ثم إنني تحديت نفسي وتحاملت على انحيازها للمعنى، فحولت عدم استساغتي لفضول وأردت أفهم ما الذي يدفع إنسانا ليتعب نفسه بنصوص من هذا النوع ويتكبد عناء نشرها، واعتقدت أنه لابد أن لها أبعادا لا أفهمها، فبدأت بطرح السؤال واتسلهام كيف يراه الآخرون، خاصة ممن أحترم آراءهم في الأدب والفن والمعنى، فكانت إجابات منها أنني تعرفت على الشعر الأجوف أعلاه وخلاصة الرأي الذي حصلت عليه:
فن الهراء (هكذا سماه علماء اللغة) يوجد أيضا عند غير العرب فمثلا تسمى القصائد من هذا النوع في الانجليزية جابرووكي نسبة إلى قصيدة تحمل ذات الاسم للشاعر لويس كارول والذي راج عنه كتابته لشعر اللامعنى وقد صار اسم هذه القصيدة فيما بعد يعبر عم مسار أشعار اللامعنى بالمجمل، وقد عبر عن هذا المسار الفيلسوف وعالم اللغة نعوم تشومسكي بأن هذا النوع من الأدب يمكن تمثيله بجملة من طراز هذه الجملة: تنام الفِكَرُ الخضراء العديمة اللون بعنف، يسأل تشومسكي طلابه: هل يفهم القارئ شيئا؟ لا، فإذن هي جملة لا تحمل معنى، ويمكن تسميته بهراء تام (وتعريفه: نظام رمزي من اللغة يفتقر إلى معنى مترابط أو منطق مفهوم له أول وله آخر أو له حكاية) إلا أن هذا النوع من أدب الهراء -يقول عالم ألماني عنه- يمكن الخلط بسهولة بينه وبين الرمز الشعري الذي قد يكون يظهر اللامعنى ويبطن المعنى ويسمى بفن الرمز أو التشفير، ويظن بعض الاجتماعيون أن النصوص الجوفاء غالباً ما تلازم حقب الاضطراب والضيق في المجتمعات التي تلي عبثية الحروب فتكون منفذاً و متنفساً للناس، وقد تصاحب أو تكون نتيجة لمظاهر الشرب أو التعاطي الذي يؤثر على انسجام الفكر واتساق ما ينتجه الإنسان أو لتعثر النفس في صدمات تلك الحقب.
ختاماً فاللغة وعاء المعنى ومن الطرق التي يستدل بها على عظمة أديب ما في نظري هي قدرته على توليد المعنى، فإذا ما غاب هذا، ماذا يبقى لنا من فن اللغة؟
أي تفسير لنص ما قد يكون مقصودا أو غير مقصود بعدها، ثم لا يعود النص على مستهلك هذا الفن لا بإمتاع ولا بإفادة، ونحن في أمس الحاجة لتخفيف الضوضاء وتمييزها عن المادة التي تستحق الوقوف عندها وإعادة الوقوف مرات ومرات فنا خالدا عبر العصور، وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، ولنا الخيار فيما ننتج وفيما نريد أن يذهب أو يمكث.
______________________________________________________
اللوحة أعلاه هي العمل الفني الكوميديان للفنان الإيطالي موريزيو كاتيلان
Comedian is a 2019 artwork by Italian artist Maurizio Cattelan.
