لماذا نكتب؟ ولماذا قد يفيد من لا يكتب منا أن يبدأ اليوم بالكتابة أيضا؟

في ورقة بحثية شهيرة في علم النفس عنوانها :”الرقم سبعة ، زائد أو ناقص اثنين”  توصل باحث علم النفس جورج ميلر إلى أن قدرة أدمغتنا على معالجة المعلومات في الذاكرة المؤقتة لا تتعدى أكثر من حفظ سبعة أرقام في آنٍ واحد معاً ، بالكاد تقل عن هذا الرقم برقم أو رقمين أو تزيد برقم أو رقمين لدى معظم الناس. لتتأكد جرب أن تلعب مع أحد بجانبك من يمكنه حفظ أكبر تتابع من أرقام أطول.

 الأمر يدعونا لنتذكر دائما أن العقل له مساحة محدودة لاستبقاء كمّ من المعلومات فيه مفتوحة النافذة لتحليلها أو التفكير فيها ؛ وعليه فإنك إن لم تضع هذه المعلومات أمامك على الورق وتفرغها لتراها وتعود لها في وقت لاحق فترتبها و تدمجها بما قبلها وبما بعدها فقد لا تكون  الصورة أكمل ولا الرؤية أوضح.

حين يمرَس العقل وضع الأفكار خارج صندوقه مع الوقت ، يحدث أن تنمو مهارة البحث عن الكلمة التي تعبر بدقة أكثر من غيرها عما يريد أن يفكر فيه، أو يريد أن يوصله لغيره، أي أن الكتابة تدريب جميل لعضلة التفكير تنمو بالتمرين والممارسة كعضلات الجسد، وحين تصبح الكتابة إحدى آليات تنظيم المعرفة لدى شخص ما ، فإن تنظيم المعرفة  كفيل بأن يسمو به ، وتفتح له لوحاته التي يرسمها بالكلمات نوافذ جديدة لرئتيه لاستنشاق المعرفة في هذا العالم وتطويع المعرفة لترك أثر أجمل في دورة متبادلة تلخص كل التفاصيل التي يدرسها خبراء التعلم في خطوتين

أمان

حيث أن المعرفة بمعناها الأوسع (knowledge) يقال أنها إلى جانب العمل (action) تشكل الرابط المركزي بين العقل البشري والكون، فالفرد يكوّن مع الوقت تصورات عن الكون يبنيها من مشاهداته في بيئته المحيطة، ثم يتخذ على أساس هذه المشاهدات التي أدخلها قرارات تنتج كسلوكيات وتصرفات في بيئته المحيطة .

الكتابة تدريب جميل للتفكير وهي تنمو بالتمرين والممارسة


إذا كانت الكتابة تساعد في رؤية أفكارنا خارج صناديق رؤوسنا لكي نرى الخلل فيها، فنصححه ونتطور به، فكيف نبدأ؟

عالم الفيزياء الشهير ريتشارد فينمان بدأ قبل شهرته كعالم بفترة طويلة بما يسمى اليوم تقنية فينمان (Feynmann Technique) وملخص تقنيته أنه بعد أن أجرى امتحانات العام الثاني أثناء تحضيره للماجستير في الجامعة قرر أن يخصص دفترا ليستعد به للبحث الجاد وأسمى دفتره : الأشياء التي لا أعرف عنها وأحتاج تعلمها

وكان يستخدمه ليكتب الملاحظات حول المفاهيم التي تعرض طريقه وينتبه إلى أنه يجهلها و يسمع عنها للمرة الأولى ولكنها مهمة في مسيرته ولمجاله، فيقوم بثلاث خطوات تشكل الهيكل الرئيسي لتقنيته: (1) يضعها في دفتره كملاحظة شخصية ، هذا تحدٍ يحتاج أن يتعلم عنه أكثر، (2) ثم يقوم بربطه بما تم اكتشافه حتى الآن و بالمتناقضات بين الأقوال المختلفة لمن سبقه وبين الطرق المختلفة للتفكير في هذا المفهوم وهكذا حتى تتبدى له فجوة علمية يحتاج أن يسدها ، ولكي يقوم بذلك (3) يرتب المعرفة التي حصل عليها ، ويبسطها ، ويجرب أن يخبر قصتها لطفل (حيث كان يرى أنك إن لم تستطع ان تشرح فكرتك لطفل فأنت لم تفهمها بعد )، ثم يعود فيسجل ملاحظات إضافية من مشاهداته بعد إخبار الطفل بقصة المفهوم ، فيصبح من الممكن عليه أن يحدد مشروعه بدقة و ما الذي يمكنه أن يطوره في المفهوم الذي بين يديه.

بعد فترة أصبحت تقنية فينمان معروفة بين العلماء كتقنية للنجاح في تطوير حقول العلم ، يشارك فينمان فيها من يأخذ تطوره الشخصي على محمل الجد كما توجد في بعض المتاحف العلمية الدفاتر التي كان يخربش عليها بعض العلماء ممن حاز نوبل وغيرها من الجوائز تم الاحتفاظ بدفاترهم التي شكلت بداياتهم وطريقة تفكيرهم. لماذا تعد تقنية فينمان مهمة؟

لأننا  كبشر نميل لأن ننثني ونبتعد عما نجهل ويبدو لنا ضبابيا ، حيث نشعر بالصغار تجاهه ، فيحدث أن معظمنا لا يكمل مسيرته التي بدأها في مجال ما حينما يعترض طريقه عقبة أو اثنتين من أمور لم يفهمها أو لم يفهم الروابط بينها ، بينما يقوم محب التعلم بتحديد هذه الفجوة لنفسه ليسدها، فلا تفيده وحده بل تفيد كل من يأتي بعده ، وبالتالي يتقدم خطوة لم يتقدمها غيره ويصبح اسمه عالما وتتقدم معه المعرفة البشرية الجماعية أيضا خطوة ، وأين كانت البداية؟ البداية تكون كتابة ملاحظة تحدد الفجوة المعرفية.

هذا الأمر لا ينحصر في المعرفة العلمية فحسب ، ولكن الكتابة أيضا وسيلة فعالة في التشافي

إن أحد أهم النصائح التي قد يوجهها المستشار النفسي لمقاومة الاكتئاب أو القلق هي أن يخصص المرء دفترا يكتب فيه يوميا شيئا إيجابيا مر معه ، أو شيئا أسعده ، أو أن يكتب عن مشاعره حيال الأمر الذي أغضبه مع تقنيات يسأل فيها نفسه لماذا غضبت أو حزنت؟ مما يساعده على ملاحظة مشاعره أكثر، وما الذي يحركها أو يستفزها ، ربما يكون هناك ضعف بداخله يحتاج للانضباط ولكنه إن لم يتفاعل معه بعد كتابته فلن يراه ! وحين يوضع الأمر خارج العقل على الورق يجعله أبسط في التحليل وفي التعامل معه. يأخذ حينها المرء دور الناصح للشخص الذي على الورق! الكثير من لدراسات العلمية في مجال الدماغ أكدت أن الأميغدالا وهي مركز للعواطف في الدماغ يقل تأثرها بالمتغيرات العاطفية حينما يمارس الشخص التشافي بالكتابة حول هذه المتغيرات. وتتلخص الطريقة بأبسط صورها بأن (1) تكتب ماذا حدث، (2) وتصف مشاعرك بإسهاب ودقة ، (3) ثم تسأل نفسك لماذا شعرت هكذا؟ ماذا تعلمت منه ؟ وكيف يمكن في المرات القادمة ألا يزعجك؟ وهكذا.

ليس هذا فحسب، ولكن باحثة في علوم الأعصاب العام الماضي قامت بتحديد أكثر من عشر أنواع من العوااطف لم يكن الإنسان يحسن التعبير عنها سابقا لكنه اليوم وجد لها ألفاظا بفضل الكتابة والتعبير.

إذن فالكتابة تسهم في التعلم ، في ترتيب المعرفة ، تسهم في تطور الذكاء العاطفي و تسهم إلى جانب هذا وذاك بتطوير الإبداع والخيال ، فالمرء حينما يترجم تطوره إلى كلمات يصبح تواصله مع نفسه ومع العالم المحيط أكثر إبداعا وجمالا…

أنت أيضا يمكنك أن تبدأ باستثمار الكتابة لصالحك ، و كل ما يتطلبه الأمر دفتر فارغ وقلم وانضباط يومي لعشر دقائق، كاتبة أمريكية تحولت من التمثيل إلى كتابة الروايات بعد معاناة استمرت لفترة طويلة مع الإدمان والاكتئاب وآثار الشهرة ، بدأت بنفس الطريقة قبل ثلاث سنين فتبدى لها مع الكتابة أن تتحول عن مجال مهنتها أولا، ثم أن تقلع عن الإدمان وتتشافى عبر الكتابة ثانيا ثم أن تكتشف الكاتبة بداخلها أخيرا و اليوم لديها ثلاث روايات في رصيدها ، بدأت بأن تبدأ نهارها بسؤال يعنيها ، و قد يكون سؤالك هو سؤال فينمان أو سؤالها هي أو أسئلة أخرى تعنيك أكثر: أمور أريد تعلمها؟ ما الذي أريد تحسينه اليوم؟ ما الذي أراه جميلا في هذا اليوم؟ الخ.


في أعلى الصفحة أرفقتُ إحدى رسومات الفنان الشهير ماك إيشر والذي كان يقوم بأعماله الدقيقة في التصميم الغرافي التي تتطلب دقة حسابية عالية قبل أن يخترع الإنسان التصميم الغرافي أو يخترع الحاسب ينحتها على الخشب أو يرسمها !! و هذا العمل الفني يعني لي الكثير، حيث أقرأ فيها أن كل كاتب لابد أنه يكتب غيره وكل كتابة حسُنتْ أم ساءت تسهم بالتطور التراكمي للمعرفة البشرية وتكتبنا ونكتبها .