الكلمات في موجاتها كفقاعات الصابون؛ تنتشر بين الحين والآخر كلمة ، فتدفع موجات استخدامها دفقة من تجدد معانيها وولادة معانٍ أخرى مع كثرة استخدام الناس لها ، و بشكل أو بآخر تأخذ طيفا واسعا من الاندفاع نحوها، قد يتذكر البعض مثلا كيف كانت كلمة إبداع في أواخر التسعينات تدخل في جُل أدوات التسويق للورشات التدريبية ، و المنتجات والخدمات كمغناطيس قد ينطوي على إبداعٍ حقا و قد لا ينطوي.

وقد شاع مؤخرا استخدام كلمة شغف بشكل غير مسبوق في تاريخ اللفظة كتعريب دقيق أو غير دقيق ل passion فما هو الشغف ؟ وهل حقا لا بد أن يكون لي ولك شغف فيما نعمل ؟

وإن لم تفد استشارة لسان العرب أو طوق الحمامة أو روضة المحبين بشكل مباشر في سياقنا هذا ، حيث أن الذائقة الثقافية للفظة ما تغير ثوبها بين عصر وآخر ، مما يجعل معناها مرناً يشير إلى شيء في عصر وإلى أشياء أخرى في عصور لاحقة أو سابقة، إلا أن استشارة أصل الكلمة و جذرها قد يحمل بعض الظلال المجردة على إطلاقها ، وهذه المقالة محاولة لترسيم بعض ظلال لفظة الشغف في إطار استخداماتها الفكرية اليوم في التنمية والتطوير المهني


 قد يميل المرء ليحب هواية ما ، شخصا ما ، شيئا ما ، و يبقى تحقيق المعادلة الصعبة قائما بوجود التحديات المختلفة :

١. إن أصبح المرء متكلا في شعوره بإيجابية أو مسرّة على هذا الأمر الذي يحبه اتكالا شديدا للوصول لنشوة معينة ، يستخدمه غالبا كاستراتيجية للهروب من تحديات حياته الأخرى ، كان هذا إدمان addiction ؛ نعم قد يكون أحدنا مدمنا على هوايته ، أو عمله، أو رياضته ، أو هاتفه ، أو على الكنافة مثلا أو النرجيلة أو على من يحب!

 وبغض النظر عن أثر الشيء المباشر على الصحة إيجابا أو سلبا ، فقد لا يكون الأمر مضرا بعينه كإدمان رياضة أو هواية مفيدة، إلا أن للإدمان بحد ذاته مشكلة في نهاية المطاف ولو كان هذا الأمر المدمن عليه تعبديا أو صحيا !

مشكلة الإدمان تكمن في شعور المدمن أن حياته لا تكون كما يحب و يسعد إلا بوجود هذا الأمر المدمَن عليه ، و أنها دونه بغاية الصعوبة ، وأن وصوله لشعور معين أو راحة معينة أو نشوة معينة غير ممكن إلا من خلال هذا الأمر بعينه ، يضيع إن اختفى ، ومع والوقت تكون نتيجة الإدمان أن يتفاقم أثر الحصول على المزيد من هذا الأمر كثيرا ، مما يستعبد المرء لشيء واحد يجعل سعادة الانسان محصورة فيه ، وبالتالي يسلب المرء قيادته المتزنة لذاته ، على الجانب الآخر يضعف من مواجهته المباشرة للأمور التي يهرب منها ،  إن التحكم الراشد بردود الفعل و بمجريات الحياة تتطلب شجاعة لا تضخيما لأثر أمر واحد يضيق معه واسع الأفق من الممكنات !


٢. ماذا إن أصبح المرء منشغلا بأمر يحبه انشغالا هائلا ، يتحرك كل شيء في فلكه ، يرى كل ما يلتقيه فرصة لتعزيزه و الاستثمار فيه ، يسيطر على تفكيره منذ يصحو وحتى ينام ، يخشى من فقده ؟ أليس هذا ما يحدث حين يحب المرء مجالا – أو أحدا – فيعطيه هذا المجال دافعا للغوص به وللاستمساك بمتعلقاته وتفاصيله أكثر فأكثر؟

يسمي علماء النفس هذه الظاهرة “obsession” وتعريبها المباشر هوس أو هاجس، لكنني أميل للادعاء أن تعريب القرآن لها بوسواس أدق وأفضل ، فالوسواس هو الصوت الخفي المتكرر في الرأس لا يهدأ حول أمر ما.

وكي لا يحدث التباس حول استخدام المقالة لبعض الألفاظ المستخدمة أيضا في مجالات علاجية ، لابد أن نؤكد أن تداول المعاني وفردها هنا غير معني بالحد المرضي للإدمان أو الوسواس أو غيرهما ، و أن محل ذلك الاستشارة الطبية المباشرة، والنقاش هنا يطرح قضايا تعنى  بالسلوك الإنساني العام الذي قد يميل بحب شيء ما باتجاه يخل بالتوازن ، و أن الاهتمام منصب على إمكانات التطوير الشخصي بلمسات وخواطر فكرية عامة.

  مشكلة الهواجس والوساوس تكمن في اضطراب تلقّي صاحبها لقيمة الأمر مقارنة مع بقية الأمور و النعم في حياته، فما يستغرقه هو تضخم قيمة الأمر المرغوب مما ينبت القلق المستمر خشية فقدانه و استحواذ القلق هذا سواء لتحصيل الربح القادم ، أو للحفاظ على المتحقق ، يطغى على حساب بقية الأشياء والنعم في الحياة، و يسلب الإنسان طمأنينته ورضاه بإنسائه مالديه من نعم أخرى


٣. ماذا إن كان للمرء ما يجلب له السرور حين يمارسه ، دون اتكال عليه في الهرب من تحديات أخرى ، ودون قلق أو نهم للمزيد منه و للمرابح المتحصلة منه مستقبلا مصحوب بخوف من فقده ؟

  هذا هو الاستخدام الشائع لكلمة passion  اليوم في التنمية البشرية و يعربها الكثيرون على أنها الشغف 

الشغف ميل في النفس قوي يدفع صاحبه دفعا ذاتيا لممارسة عمل ما مع عاطفة جياشة نحوه ؛ غالبا غير متحكم بها

بوركاي و فيكسنباوم – الرضا الوظيفي وأثره على الصحة النفسية – 2009

قد تكون اللفظة الانغليزية مرت تاريخيا بمعان مختلفة ، حيث يفرق علماء النفس بين الشغف الوظيفي أو الهواياتي، أو الشغف الفكري كما أطلق عليه ديكارت، أو ميراكي كما يسميها اليونانيون Meraki بينما هناك أنواع أخرى من الشغف يسميها البعض الشغف السفلي وتشمل الرغبة الجنسية أو الشهوة للماديات على إطلاقها كما عرفها تيموثي ولكرسون.

فماذا عن تعريبها ؟

شَغْفُ الشيء هو غطاؤه  أو غلافه، وشغَف اليابس أي نبت فيه الأخضر بعد يبس بعد غمره بالماء، وشغفها حباً أي غلف حبه قلبها فحاد ببصيرتها عن رؤية الأمور بحياد ولم ترد سواه ، ولديه شغف بتعبير اليوم الدارج أي له هواية ملهمة يحبها ، ومما سبق أصبح يمكن لأحدنا أن يتعرف هل الذي لديه : أهو هوس أم إدمان أم شغف أم ماذا ؟ وكيف يعدل دفة قيادته .

وإذا كان لابد أن يكون لكل منا ما يحركه ليغرس وردة هنا أو يشعل شمعة هناك ، أو يأتي بسبق علمي أو فني أو تكنولوجي ، و بدافع ذاتي للقيام بالأمر يضع الإنسان بحالة من الرضا حال قيامه به ، دون أن يصاحب هذا الرضا طلبٌ لمعرفة الناس به و للرضا عن الأداء فيه، ودون لهاث لتحقيق مرابح الغد مما قد يجفف منابع هذا الشغف كما يقول إيكارت توليه (2)، و دون الحَزَن على ما ضاع أمس وسبق إليه آخرون حزنا يثقل كاهل صاحبه كما كما جاء في تعاليم بوذا، وإذا أثمر صفو التركيز على ماتفعله باستغراق تام ينقلك تلقائيا و بخطوات انسيابية متدرجة غير مشتتة لواقع أفضل في غدك كما جاء في كتاب التدفق flow لكاتبه مياهيي تشيكسنتمياهيي، إذا كان هذا فهل من مشكلات تصاحب الشغف؟

  للشغف مشكلتين رئيستين :

الأولى أن حامل الشغف مطالب باليقظة في تعاملاته مع شغفه ، لئلا يتحول إلى إدمان أو إلى هوس وتبقى القيادة الحكيمة مطلوبة  باستمرار فرغباتنا ثنائية القطبية بطبيعتها.

تود المقالة رسم مقاربة للشغف هنا من لفظة في العربية تكاد تكون منسية أو مغيبة عن الاستخدام تشير إلى هذا المعنى الجميل من التدفق في الأداء بدافع قوي وفي ذات الوقت تنبي بالاستغراق اللحظي فيه مع غياب عامل الزمن ووجد للماضي وللمستقبل، ألا وهي ” السبْح” ، استخدم القرآن هذه اللفظة للتدليل على السعي المستغرق في أمر ما فقال : إن لك في النهار سبْحاً طويلا ، و رغم أننا لا نستخدمها كثيرا اليوم ،  إلا أنها جميلة جدا جرسا ومعنىً ، و قد يحبها أهل التنمية وأهل اللغة على السواء أكثر من شغف ، لدقتها ربما و لربطنا ببقية أنظمة الكون التي هي كلٌ في فلك يسبحون أيضا ، و ربما نكتشف مع الوقت بعض قوانين التأمل من معانيها الروحية وصلتها بالتسبيح كآلية للترقي : تعظيم اللا شيء في النفس وتنزيه اللا شيء والتعلق باللا شيء سوى برب المعاني ورب الأشياء

والمشكلة الثانية هي أن رحلة البحث عن شغف يحقق ما تعد به المقولة السائدة

اختر عملا تحبه و ثق أنه لن يكون عليك أن تعمل بعدها أبدا

كونفوشيوس

قد يقود صاحبه نحو قلق بحد ذاته، وإحباط إن لم يتم التوصل إليه!

فرغم موجات سنوية هائلة تدفع المراهقين إلى البحث عن شغف أوحد و توهمهم بضرورة إيجاده ليعيشوا بعدها بسرور ، و رغم ملايين الكتب في العالم التي تضع نماذج ومعادلات للتعرف الشغف الشخصي لابد أن كثيرا من القراء مر ببعضها ومنها الطريقة اليابانية ايكيغاي ikigai ، فهل يوجد على وجه الأرض عمل إن أحبه صاحبه اختفت تحدياته تماما إلا في الحياة المكذوبة لبعض المشاهير؟ وهل وعدت الحياة أحدا بسهولتها منذ بدء الخليقة إلى يومنا ؟

قد يعلم من يجرّب أن أحدنا قد يحب عشرات التخصصات في رحلة حياته ، قد يجيد منها بعضها ، وقد يفتح له أن يغرس بجانب واحد أو جانبين ، قد يخفق في جانب أو جانبين ، قد يدمج أدوات جانب للاستكشاف في الآخر وقد يمضي بعد مجد عظيم يحققه في جانب ما إلى جانب آخر فلا يقل غرسه فيه أهمية عن سابقه، دون حاجة ليحد نفسه. أفضل مثال على ذلك ستيف جوبس الذي انتقل من شغف لآخر أكثر من خمس مرات في حياته وفي كل منها ترك وراءه أثراً بغض النظر عن نقاشنا لخيرية أو سلبية ذلك الأثر، أو لنقاش ما إن كان الذي لديه شغفا أم وسواسا أم تراوحا بينهما.

وعليه فيمكن استبدال هذا السؤال البائس: ما هو شغفك؟ أو هل لديك شغف؟ بسؤال آخر: أي شيء يثير فضولك  المعرفي مؤخرا و يمكنك القيام به أو الغوص فيه ولو دون مقابل أو التفات من أحد؟ هناك تتوجه الطاقة و تولد معانٍ للسبح والاجتهاد، و لكل مجتهد في سَبْحِهِ مع استمرارية ودأب ينساب نصيب من الخير باتجاهه يخفف عنه بعض عبء الرحلة و لكنه لا يلغيه، وعليه فربما يكون توزيع تدفق الطاقة اليومية استراتيجية هامة لكيلا يأس المرء على ما فات ولا يفرح بما هو آت و يستمر أمله يوما آخر وغرسا آخر، وشغفا بعد آخر.


 (1) العمل الفني أعلاه تجميع لأعمال الفنان كارو ما إلى موزاييك ديجيتالي في أحد معارض غلاسكو قام به كافانين كزامي والمعروف في هذه المجموعة عن كارو ما أنه لم يستخدم رؤوس الأشخاص بل حولها لأفكار ، وجتها تناسب موضوع الشغف الفكري**

Caro Ma’dan Head Digital Collage Art Examples: Kafanın Gizem

(2) أدين بلفتي لهذا الفهم لدى إيكارت توليه صديق الفكر م. رأفت شوبكي