“ طبيعة التواصل التي تغلب على مجتمع ما تساهم في تشكيله أكثر من المحتوى الذي يتم تشاركه بين أفراده

مارشال ماكلوهان

 احتفل العالم هذا العام بمرور عشر سنوات على ولادة الهاتف الذكي الذي تغيرت معه طبيعة التواصل تماما منذ 2007، وصار التدفق المعلوماتي الهائل إلى جهاز كل منا هو الطابع المسيطر على الحياة. ما الذي نتعلمه بعد مرور عشر سنوات على هذا النسق السريع من التواصل ،  المقتضب ، المنهك في جريان جدرانه و ضجيج إشعاراته حول تواصلنا ؟

وقبل الهاتف الذكي، كانت الشبكة قد أخذت محلها في تعريف عصر جديد للتواصل سماه البعض بعصر المعلوماتية ، والتي بدأت بالشبكات التي تحتاج للاتصال (dial up)، وبدأت عهدا جديدا في 2001 مع انطلاق التشبيك الحديث.

هذه الطفرات التي توالت منذ التسعينيات كانت ضمن نظرية الاتصال التي وضعها مارشال ماكلوهان قبل اكتشاف الانترنت بأكثر من 35 عام، حيث تنبأ بأن الناس انتقلت من التواصل عبر الصوت إلى الكتابة في عصور سابقة، ومن الكتابة إلى التواصل بالتشكيل للأدوات التي ينتقل عبرها صوت أو صورة كالمذياع و الهاتف و من ثم التلفاز ، ومن ثم كان يرى أن العالم سينتقل بعدها لعهد الكتروني في التواصل، وهذا ما حدث فعلا  ، وقليل من الفلاسفة من يصح تنبؤه المستقبلي لطفرة ما .

اليوم نحيا بين نعمة الانترنت عبر هواتفنا الذكية وبين لعنتها ، نلعنها في الدقيقة التي نتذكر معها أن الأمان الشخصي لمعلوماتنا مخترق، ونعود فنحمدها حينما تسهل تواصلنا مع أحد نحبه، ثم نلعنها حين تضغط علينا بهذا التدفق الرقمي وبعد قليل نعود لنحمدها على أنها تيسر حصولنا على المعلومة التي نريد في حين كان يرتحل للحصول عليها الناس في عصر من العصور على أقدامهم لأماكن بعيدة، وهكذا، بين لعناتها ونعمها ، نرى أنفسنا نقدم خطوة ونتراجع خطوة في علاقتنا بها ، و بين الخطوتين مساحة من الحديث الشخصي لكل منا قد ترسم ملامحه صور شتى  ، و في كل من الصور التالية مرآة قد يرى أحدنا فيها نفسه أو أحدا ممن يعرف ، و هذه مرايا تعكس زوايا مختلفة عن تلك التي نعرضها على جدران الحسابات

(1)

رأي في الصباح، رأي في المساء ، رأي حول هذا ، رأي حول ذاك ، كيف لا يكون لها رأي تشاركه هي الأخرى حول كل قضية كبيرة وصغيرة ؟ خاصة وعامة؟ يضغط هذا الزخم في وجهها: “أهميتك الافتراضية ” تكمن في تشكيل رأي و مشاركته مع من نعرف ومن لا نعرف، مخجل ألا يكون لك رأي؟ أي كان هذا الرأي! تبحث بسرعة عن رأي، عن انطباع، سطحي أو عميق، عن جملة هنا أو فيديو هناك، تركبها إلى جملة أخرى، أخذ التجميع قالب رأي لكنه “مجتزأ”، لا يهم، الحيطان الالكترونية تغرق بفيضانات من “الآراء”، كم منها آراء مستعارة؟ لم يتعب صاحبها في تشكيلها ، تضخها الجموع مجددا ثم مجددا، كم منها أخذ وقتا في التشكل في رأس صاحبها قبل أن يبثها تغريده على حائطه؟ لا يهم، الحائط لا ينتظر التمهل و النشر الالكتروني لا ينتظر الفكرة حتى تنضج.

(2)

كُتب الرأي ، نُشر الرأي، أصبح للمرء رأي منشور وأصبح يمكن لمن حوله أن يباركوا لصاحبه الإبداع على أنه “صانع أثر” ، بعد أن دوّنه اعتراه شعور بالنشوة ، بشيء من نجاح وهمي لمجرد أنه بث ما يريد التنفس فيه : نعم فعلا يعبر عني هذا الرأي جدا، نعم مقتنع به جدا و بصحته، نعم نعم، جميل أني كتبته فمخجل قول لا أدري، مخجل الاعتراف بأني لم أبحث في هذا الأمر قبلا وليس لي به سابق خبرة، وإنما هي اقتباسات أو سرقات تصنع مني أيقونة ، نسخة أخرى بداخل المرء تحدثه تقول له: لكن لازال رأيك في هذا الأمر يتشكل على مهل ولم ينضج بعد كي تنشر فيه، لم تقلب الأمر لوهلة قبل أن تعرضه وتتبناه، يكبح الصوت صوت آخر: مخجل أكثر أن يتحدث الناس و لا أبدي موقفي وأنا صاحب المواقف ، الصوت الأعلى بداخله يقول: لا بأس المهم الآن أنك كتبت، لا يمكنك أن تلتزم الصمت والحياد في خضم الظواهر الصوتية ، لا يهم ، أراجعه ربما لأفهمه لاحقا. وسأقرأ الكتاب الذي يهتم بالموضوع لاحقا ، وسأخطط للتسجيل في دورة حول هذا المفهوم ربما العام القادم، المهم الآن أني ساهمت في موجة المحتوى

(3)

عادت لرأي كتبته قبل عام ، رأي أحبه ألف من الناس، وشاركه مئة، وطلب صداقتها بناءً عليه العشرات، رغم أن الرأي تغير جزئيا اليوم، لكنه أصبح إطارا لهويتها الالكترونية، حشد حولها من تريد ومن لا تريد، لا يهم، هؤلاء جماهيري ومعجبيّ لن أخذل ثقتهم بي، تبسمت ضاحكة على نسخة سابقة منها: ” هل حقا كنتُ أفكر بهذه الطريقة ؟ ” ، كيف كونتها تلك القناعة ؟ لم أعد أذكر لماذا عرضتُ رأيي في تلك القضية على أية حال وهو أمر لا يعنيني ؟ ها نعم تذكرت؛ كان الوسم رائجاً وشعرت بحاجة ملحة لأن أبدي رأيا فيه! تهمس لنفسها: أليس استقاء الأهمية من النشر حول الموجات الرائجة يسلبني الوقت عن الانشغال باتجاه خاص أريد صنع أثر حقيقي من خلاله؟  أثر يبقى أكثر من وسم يستمر ل24 ساعة، لا يهم، المهم أن لدي الآن خمسة آلاف متابع! صوت خافت يسألها : أليست نشوتك بالآلاف  من المتابعين بحد ذاتها هشاشة في الشخصية و طمع بالشهرة؟ وفي سبيل ماذا ؟

(4)

توافرت لديه رفاهية تغيير الرأي، استثمر الوقت والجهد والوعي ببناء رأي، رتب فكرة فوق فكرة، نعمة وهبته إياها العزلة الإرادية يصعب أن تنسجم مع إيقاع ال”scroll down”. لكن مشاركة الرأي الجديد قد تكون مغامرة، فالنشر مرهون بنضج دوائره الاجتماعية التي سيشارك فيها الرأي الجديد، وأولويات العقل الجمعي لتلك الدائرة ستحدد إذا كانت الفكرة الجديدة ستلقى قبولا ولايكات أم لا! ليس هذا فحسب بل أيضا الميول التي تحكم الهوى العام، فالوسم كان رائجا حينما بدأ يرتب أفكاره ، والقضية حين كتب عنها الناس كان لها صدى يتداوله الجميع على أنه “قضية رأي عام”، اليوم اندثرت والحديث عنها لن يجلب أي “Like” أو “share” ، يكمل الحياة ذاهبا إلى عمله، فخورا بإنجازه المعرفي الذي حققه لنفسه بهويته السابقة، تاركا لجماهيره انشغالاتهم الآنية، مستأثرا لنفسه بمعرفة يراها أكبر من  الجموع، لن يفهموني على أيه حال إن كتبت، ولا يهم أن أخبرهم. قد أفقدهم إن كتبت الحقيقة، يكمل نهاره ويطوي المسودة حتى حين آخر

هذه الصور وغيرها لاتهدف لانتقاد تصرف بعينه، ولا للبحث في نوايا المؤثرين والمشاهير على وسائل التواصل ، ولم تتطرق بعد إلى قضايا التسويق الالكتروني وأساليبه التي قد تجعل الآراء المنشورة على الشبكة  في غالبها محط تساؤل في سبيل المادة، لكنها مجرد مرايا تخبر كيف يدخل التواصل إلى عمق التفاعل بين المرء وذاته، وبين المرء وما يشاركه ، كيف تغير الارتباط حتى بما نقرأ وما نطلع عليه، و مع من نريد أن نتفاعل و لمن نعلق على ما نشر، أو نعيد تدوير ما كتب، من يتابعنا ومن نتابعه، وكيف تنعجن كل هذه الأدوات فينا فتنتج أشخاصا داخلنا قد لا نعرفهم بعد حين ، وبناء عليه أيضا ما التداعيات التي تطرأ على تواصلنا الحقيقي حينما نجتمع في بيئاتنا ، هل تعكس ملامحنا الالكترونية   ملامحنا الحقيقية ؟ فضائلنا التي ندعي ؟  كم تسلب من هدوء أرواحنا تلك الوسائل و كم تزللزل من اتزان  علاقاتنا مع يجلس إلى الكرسي الذي بجانبنا؟ مهم جدا أن نعرف أين نحن لكي ندري إلى أين نحن ذاهبون .


وهنا ينوه هذا المقال إلى أن:

(1)

 كل معرفة إنسانية في هذا الوجود تحتاح إلى أمرين (1) شجاعة “لا أدري” و (2) إصرار “أريد أن أدري“!

و لهذا فإذا كان المرء يستخدم هذه الشبكة في سبيل المعرفة ؛ لا بد أن يتذكر بأنها أداة كغيرها من الأدوات، إما أن تحمّله عبئها كمستهلك ، أو أن تهبه عطاياها كـأداة لاغتراف المعرفة ، لا يمكنك أن تدخل المكتبة العامة طيلة الوقت و تبقى هناك عاطلا بين تصوير المارة وإبداء إعجابك بهم وتعليقك على آرائهم ، و لا يمكنك أن تقضي عمرك مسلما على كل من يجلس على الطاولات فيها و لن يتسع عمرك لأن تفتح كل الكتب بعشوائية تريد الاطلاع عليها جميعا ، والانترنت أيضا لا بد أن نراها بهذه الطريقة كي يسهل التفاعل معها ويستثمر بشكل فعال.

(2)

لكي يتمكن المرء من الصدق مع ذاته في عالم بهذا التدفق ، والتدفق قد يحمل الصدق وقد يحمل الزيف والزبد ؛ لابد له بأن يتذكر أن يحيا على سرعته هو ، وهذا أمر لا تسمح به فقاعة وسائل التواصل، تأخذك بجريانها وبسرعتها وبدفقها ، تأخذك منك عنك وعن اهتماماتك ، عن بطئك هناك وعن سرعتك هنا ولكل منا وتيرة في كل أمر من أموره، قد يكون سريع التلعم بطيء الإنتاج، أو هادئ الإنتاج في مجال و مندفعا في مجال آخر، هذا الجريان يجعل الجميع يهرع دون انتباه لوتيرته الخاصة ودون إنصات لها ، وقد تزايد عند الكثيرين بحسب ما وصفوا عن تجاربهم الشخصية احترامهم – إثر تركهم وسائل التواصل – لوتيرة غيرهم في مجالات أخرى. وتزايد الانتباه والتركيز الذي تشتته تلك الوسائل.

معظمنا يقول التدفق المعلوماتي هو السبب في أمراض نعانيها اليوم وندرك بعضها ولا ندرك الكثير منها من قلق و ضغط و جفاف عين و قلة انتباه ، إلا أننا كنا ومنذ آلاف السنين على الأرض ننطلق في الغابات و تحت مياه المحيطات فتندفع بوجهنا دفقات معلوماتية من الشجر ومن الطبيعة لا حصر لها ، لكنها لم تكن تضغط على الإنسان كما تضغط هذه التقنيات عليه اليوم فتغله وتشله، بل على العكس يعود من رحلة في الطبيعة مرتاحا هادئا منسجما مع ذراته أكثر مما كان قبل رحلته. أترى لأن الطبيعة وعناصرها لا تطالبنا بشراء شيء؟ أترى لأنها معلومات تأتي من كائنات أخرى وينسجم مع كل واحد منا ما توافق مع موجاته في ذلك الوقت ؟ لاندري بعد لكن الموثوق أنها أيضا تحمل تدفقا معلوماتيا هائلا لا يحمل تأثيرا سلبيا على وتيرة الإنسان.

ويذكرنا هذا بإحدى نظريات السكينة التي يقول فيها بيرم كاراسو إن الصدق مع الذات وانسجام خارج الإنسان في فعله مع داخله في فكره وشعوره يساهم في سكينة روحه

 

bike through city

(3)

الفيلسوفة سيمونة فايل تقول أن الانتباه يمثل أعلى درجات الكرم صفاء وأندرها بين الناس، واليوم نجلس إلى بعضنا دون انتباه، ونحادث عشرة أصحاب في ذات الوقت افتراضيا دون انتباه كامل لأحدهم، ونهمل الكثيرين ممن يراسلوننا هنا وهناك أيضا دون انتباه للخطيئة التي نقترف، الانتباه اليوم يكاد يعد أثمن مدخراتنا قيمة وأشدها تبددا من بين يدينا دون إرادة ، ما يخلق المزيد من الكسل والمزيد من الأسى على ما فات في آخر النهار، وهل الأسى إلا العجز عن بناء مستقبل واعد من نية الأمس.

إذا كانت هذه الشبكة سيرة ذاتية جمعية لعصرنا ، و صارت سيرنا الذاتية فيها شئنا أم أبينا مكتوبة عنا بتواصلنا على هذه الشبكة اليوم، فالأثر الذي تتركه سيرة كل منا لم يعد اختيارا شخصيا ، بل هو واقع نرضخ له ، ويبقى الاختيار هو في أي شيء أترك أثري؟ في صورة فمي الممتدة شفاهها على انستغرام ؟ أم في ملايين المشاركات غير واعية على الواتس آب بقص ولصق كل مايصلني ؟ أم بغراس يبقى طيبه يتردد صدى  بعد الرحيل وعيا و حبا و جمالا ؟ تسأل المعالجة النفسية كارولينا ميس عملاءها باستمرار أن يختاروا ثلاث كلمات هي الأكثر قبحا في قاموسهم اليومي ويتخيلوا أنها اختفت تماما منه، اختفت هذه الثلاث كلمات من الوجود ، ثم تقول لهم: هذه الكلمات التي يجب أن تعملوا في حياتكم على غرس ما يعاكسها، وكذلك المدربة جينيفر سيرتل تقول للمؤسسات: ما الذي تريدون للناس أن يتذكروكم به عبر ما تنحتونه من شخصياتكم على الانترنت وعلاماتكم التجارية ؟ ما أهم ثلاث كلمات تريدون لها أن تبقى متصلة بكم ؟ هذه تقنيات تساعد كلا منا ليراجع قيمه بين حين  وآخر حين يمارسها ، وقد يغيرها وله الحق في ذلك .

 هذه محاولة لوضع خوارزمية للمحافظة على اتزاننا الالكتروني والمحافظة  على أهم ثروتين تسرقهما الشبكة مني ومنك وقد تطور لنفسك خوارزمية أخرى ولكن هذه نفعتني حتى الآن وربما تنفعك:

تجديد النية في الصباح وتقييم التركيز في المساء

(1) تجديد النية واستحضار ما تريده من يومك (intention)

(2) انسجام اليوم ليكون متركزا على النية ومتحمورا حولها (attention)

ويبقى أن نتذكر أن هذه حقبة ستليها حقب أخرى ، فإذا كان في وقت من الأوقات المتحدث على وسائل الإعلام يعد إعلاميا و مشهورا ، ثم تلاه ما نحياه اليوم من عهد أسميه ” عهد المنابر الشخصية” ، فلكل فرد منا منبر إن شاء ، فالحقيقة أن الباحثين يعتقدون أن عصر التدفق هذا عصر الداتا أو المحتوى وليس عصر الأشخاص التي تنتج هذا المحتوى ، ما الذي أقصده ؟

في المستقبل غير البعيد سيدرك الناس أصحاب هذه الحسابات الهائلة أن قيمة الفرد هي القيمة الأقل في معادلة الإعلام الرقمي ، وأن القيمة العظمى هي لمن يحسن استنتاج التحليلات الإحصائية من هذا التدفق ، بأخذ عينات هائلة من هذه المحتويات التي تنتجها الجموع (big data)  يقوم بها الخبراء العاملين في مجالات علوم الرقميات أو الداتا ساينسز (data scientists ) ويستنتجون منها موجات شائعة في اتجاهات الناس (trends) ، والقيادة في العصر القادم ستكون للجهات التي تحسن استثمار تحليلاتها أكثر من غيرها، البعض سيتجه  لمصالح الإنسان لا لمصالح الأسواق والغالبية ستتجه لشراء هذه التحليلات لخدمة أغراض التسويق و الاستهلاك  ، وتنبؤي أن علماء الذكاء الصناعي والبشري معاً سيقودون بخوارزمياتهم هذا العصر القادم لا محالة ، و سيكون العصر القادم بناء على هذا هو عصر الإدراك  في الآلة وفي الإنسان لا عصر المعلوماتية.

مستقبل وسائل التواصل سيكون بيد من يلم بأدوات تحليل المعلومات وقيادتها لتحريك سيل التواصل بين الناس ليكون حول قضايا مهمة وذات أثر معنوي


الصورة مأخوذة من مجموعة للفنان المصور أنتونيو غايغر باسم (sur-fake) وللمزيد من مجموعته يرجى الضغط هنا