إذا وجدنا أن دراسة ما تقول : إن زيادة عدد الأطفال الذين يتناولون الآيس كريم على شاطئ مدينة ما يتناسب طردياً مع عدد الغرقى من الأطفال على ذلك الشاطئ ، فإن كانغرو النتائج ( وهو مسمى لطيف أطلقته على حالة ميل الشخص للقفز للنتائج دون فهم للمعطيات ) سيقول مباشرة أن الآيس كريم خطر ويجب حظره ؛ فهو على الأرجح سبب الغرق في تلك المدينة على ذلك الشاطئ !!

لا تتفاجؤوا ، قكلنا في بعض المواضع نكون ذلك الكانغرو ! ولهذا أدعوكم في مواقف كهذه، للعودة خطوتين إلى الوراء قبل التحمس للقفز، وتذكر القاعدة التي تقول: إن توافق حدوث أمرين معاً في نفس الوقت والمكان (correlation) لا يعني بالضرورة أن أحدهما سبب للآخر (causation)، والوقوع بفخ جعل الأمور المتوافقة أسباباً ومسببات هو إحدى مواطن قصور العقل البشري التي تسمى المغالطات المنطقية (cognitive bias) ، والتي حين نتنبه لها ندرك المشكلة فيها ، و لنطبق ذلك على مثال الآيس كريم أعلاه دعونا نحلل أكثر:

يشكل الطقس الصحو عاملا مشتركا بين تناول الأطفال للآيس كريم وبين ميل الأطفال للسباحة أكثر، وعليه فحالات الغرق تكثر حينما يكون الطقس صحوا لأن عدد السابحين من الأطفال يكثر تلقائيا ! وبهذا نجد أنه لا علاقة مباشرة بين الآيس كريم وبين الغرق وليس أحدهما سبباً للآخر وإنما يتوافقان معا بظرف الطقس.

في يوم 3 ديسمبر 2014 كتب الفاضل سامي الريامي مقالا ً في صحيفة الإمارات اليوم في عموده المعتاد عن حالة مؤسفة وقعت لسيدة أمريكية في أبوظبي حيث قتلتها سيدة “منتقبة”؛ المقال هنا للاطلاع عليه وقد دار المقال برمته حول أثر النقاب على الأمن العام !

ربما أتفق مع المقال أن للنقاب أثر سلبي على أمور أخرى كالمهنية في التواصل المؤسسي و الحاجة لرؤية هوية الشخص الذي نتعامل معه و أثر حجبه على جوانب حياتية أخرى، لكن سيدي الكاتب الكريم: ربما وقعنا هذه المرة في فخ كانغرو النتائج إن قلنا أن نقاب مرتكبة الجريمة هو سبب الحادثة ؟

بغض النظر عن رأيي الشخصي في النقاب فليست المقالة بقصد الفتيا ولست لها أتبوأ فليس ذلك من اختصاصي، كما أنني لست بعالمة في الأنثروبولوجيا لأحلل كيف بدأ ارتداؤه ولماذا، كما وأني أؤمن بشدة بحرية اختيار المرء لما يحب أن يمثل به نفسه بلباسه سواء كان لباسه يروق لي أم لا – ومن قال أن أياً منا يروق للآخرين بلباسه على أية حال – فلست أرى لتحليل الأستاذ الفاضل سامي الريامي عن علاقة النقاب بالأمن أي توافق بالضرورة، أي مجرم في أي دولة كان ومهما كانت ثقافة اللباس فيها سيجد طريقته ليغطي وجهه فما علاقة توافق وجود النقاب مع حالة قتل إلا علاقة توافقية  لا سببية و ليس أحدهما سببا أو مسببا للآخر! ألا ترى معي أنه لو كانت كل نساء مدينة ما غير منتقبات فإن المجرمين فيها سينتقبون على اية حال؟!

لكن، ربما يمكن الاستفادة أكثر بإجراء المقاربة التالية: أن النقاب كطريقة حياة ولباس لا يجعل المرء بالضرورة يرتعد خوفاً من لابسته في الحال العادية، و لكنه في ذات الوقت يمكن أن يخبئ وراءه مجرما مستتراً ؛ ما يجعل المجرم يحمل طابعا طبيعياً سوياً اعتيادياً في نظر المحيطين به والمارين حوله بينما المجرم ليس بالشخص الاعتيادي ولا السوي ولا الطبيعي على الإطلاق و إنما مصدر خطر على من حوله ! فنحن لا نهرب حين يكون الذي نراه أمامنا منتقباً كما نفعل حين يكون المجرم معتمراً تلك الأشكال المختلفة من أساليب تغطية الوجه المعروف أنها خاصة بالمجرمين والتي تجعلنا نهرب من لابسها بمجرد أن نلمحه! هذه الحالة من لبس النقاب من قبل المجرم يسمى بالتطبيع أو normalization ، و لا يريد أي منا لأي شكل من أشكال العنف أن يرتبط بقيمة فضلى بسببه.

أوجه هنا تحية للأستاذ سامي الريامي وأقول على أية حال: دمت ودام قلمك الطيب . وأوجه دعوة مجانية للآيس كريم لمن يجد لهذه المعضلة حلاً  فالنقاب قيمة لبعض النساء في المنطقة العربية ، وهو في ذات الوقت قد يكون شكلا من أشكال إخفاء وتطبيع الإجرام، فكيف يمكن إتاحة الحرية للفئة الأولى وفي ذات الوقت كيف يمكن الحد من حرية استغلاله من الفئة الثانية برأيكم؟

_____________________________

مختارات من دراسات الإدراك المعرفي (4) 

الصورة من موقع : http://upliftconnect.com/cognitive-bias